فهرس الكتاب
- 📄
- 📄
بعد هذا البيان الموجز ، وإن طال ، لا أرانا في حاجة إلى ذكر توجيهات النحاة والمفسرين وعلماء القراءات واللغويين ، لمجئ"الصابرين"
منصوبًا بعد مرفوع في هذه الآية ، لأن توجيهاتهم ـ هنا ـ مثل توجيهاتهم هناك ، ولسنا في حاجة كذلك إلى الاستشهاد بالمأثور عن العرب الذين يحتج بكلامهم على قواعد اللغة ، وطرائق استعمالاتها ، لسنا في حاجة إلى ذلك ، وإن كان مفيدًا ، لأن القرآن الكريم حُجة في نفسه ، غير مفتقر لإقامة الدليل من خارجه على صحة شىء فيه ، فهو النموذج الممتاز الأعلى للغة العربية ، قواعدها ، ونحوها ، وصرفها ، وبيانها ، وبلاغتها. وحسبنا في هذه الآية المعانى التى أمطنا عنها اللثام في مجىء"الصابرين"منصوبًا بعد مرفوع.
هذه شبهة خفيفة الوزن ، تدل على أمرين راسخين فيهم:
الأول: جهلهم الفاضح بقواعد اللغة العربية.
الثانى: تهافتهم الأعمى على تصيُّد الشبهات ، والبحث عن العيوب والنقائص.
منشأ هذه
الشبهة:
هو قوله تعالى: (وإذ ابتلى إبراهيم ربه بكلمات فأتمهن قال إنى جاعلك للناس إمامًا ، قال: ومن ذريتى قال لا ينال عهدى الظالمين ) (1) .
اطلعوا على هذه الآية في المصحف الشريف ، ووقع بصرهم على كلمة"الظالمين"وصورت أوهامهم أن فيها خطأً نحويًا ؛ لأنها عندهم فاعل ، والفاعل حكمه الرفع لا النصب ، فكان حقه أن يكون هكذا.
لا ينال عهدى الظالمون ، لأنه جمع مذكر سالم ، وعلامة رفعه"الواو"وبهذا تخيلوا ، بل توهموا أن القرآن لا سمح الله قد أخطأ فنصب الفاعل"الظالمين"ولم يرفعه"الظالمون"؟! هذا هو منشأ هذه
الشبهة.
الرد على
الشبهة:
الفعل"نال"فعل متعدٍ إلى مفعول واحد ، قال الله تعالى:
(ورد الله الذين كفروا بغيظهم لم ينالوا خيرًا ) (2) .
الفاعل"واو الجماعة"والمفعول"خيرًا".
أما في هذه الآية التى اتخذوها منشأ لهذه
الشبهة"لا ينال عهدى الظالمين"فالفاعل هو"عهدى"، مرفوع بضمة مقدرة ، منع من ظهورها اشتغال المحل (3) بحركة المناسبة ل"ياء"المتكلم ، والمفعول به هو"الظالمين"وعلامة نصبه هى"الياء"لأنه جمع مذكر سالم ، ينصب ويجر ب"الياء"والمعنى: لا ينفع عهدى الظالمين. ومجئ"الظالمين"منصوبًا هو قراءة الجمهور من القراء.
وليس في مجئ"الظالمين"منصوبًا على المفعول به خلاف بين العلماء. بل إنهم نصوا على أن خواص الفعل"نال"أن فاعله يجوز أن يكون مفعولًا ، ومفعوله يجوز أن يكون فاعلًا ، على التبادل بينهما ، قالوا: لأن ما نالك فقد نلته أنت.
وقد جاء قوله تعالى: (لن ينال الله لحومُها ولا دماؤها ولكن يناله التقوى منكم ) (4) .
على خلاف نسق آية البقرة ، التى نحن بصدد الحديث عنها. حيث كان الوالى للفعل فيها هو الفاعل " لا ينال عهدى والواقع بعد الفاعل هو المفعول"الظالمين"."
أما في آية الحج فإن الذى ولى الفعل"لن ينال الله"هو المفعول ، وما بعده هو الفاعل"لحومُها".
والمعنى: لن يصل الله لحومُها ولا دماؤها ، وكذلك قوله"ولكن يناله التقوى منكم"فالضمير فى"يناله"هو المفعول به ، أما"التقوى"فهى الفاعل.
الشبهة:
هو قوله تعالى: (ولا تفسدوا في الأرض بعد إصلاحها وادعوه خوفًا وطمعًا إن رحمة الله قريب من المحسنين ) (1) .
وموضع الشاهد عند المعترضين في الآية الكريمة هو كلمة"قريب"وهى"خبر"اسم"إن""رحمة".
وحين نظروا في نظم هذه الآية توهموا كذلك أن فيها خطأً نحويًا منشؤه عدم التطابق بين المبتدأ"رحمة"والخبر"قريب"فى التأنيث ، لأن المبتدأ"رحمت"مؤنث. أما الخبر"قريب"فهو في الآية مذكر قالوا:
وكان يجب أن يتبع خبر"إن"اسمها في التأنيث فيقال: قريبة.
الرد على
الشبهة:
ذكر علماؤنا في توجيه هذا"التذكير"الحاصل بحذف علامة التأنيث من الخبر ، عدة وجوه ، لا نريد أن نطيل بذكرها كلها ، لذلك نكتفى بما يرد كيد هؤلاء الطاعنين في نحورهم.
-بعضهم يجعل"رحمة الله"فى معنى الغفران [ أو الرضوان ] فلذلك جاء الخبر"قريب"مذكرًا.
وقد اختار هذا الرأى النضر بن شميل والزجاج (2) .
* ومنهم من جعل"قريب"صفة لخبر محذوف مذكر تقديره: شىء أو أمر قريب ، ودليل هذا الحذف هو تذكير"قريب".
* ومنهم من جعله من باب النسب ، أى ذات قرب ، كقولهم في حائض: ذات حيض.
* ومنهم من جعل"قريب"مصدرًا مستعملًا استعمال الأسماء مثل النقيق ، وهو صوت الضفادع. والضغيب وهو صوت الأرنب. والمصدر يُلتزم فيه
الإفراد وإن جرى على جمع ، والتذكير وإن جرى على مؤنث كما في هذه الآية الكريمة.
* ويرى آخرون أن تأنيث"رحمة"لما كان تأنيثًا مجازيًا لا حقيقيًا جاز في الاستعمال اللغوى تأنيث خبره وصفته ، وجاز تذكيرهما على حدٍ سواء. سواء كان في ضرورة الشعر ، أو في النثر.