فهرس الكتاب
- 📄
- 📄
فمن سنة الله تعالى الماضية في خلقه أنه لم يرسل رسولًا إلا بلسان قومه، كما قال تعالى: (وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا بِلِسَانِ قَوْمِه) ِ [إبراهيم:4] .
وقال تعالى: (فَإِنَّمَا يَسَّرْنَاهُ بِلِسَانِكَ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ) [الدخان:58] .
ولما كان العرب الذين نزل فيهم القرآن مختلفي اللهجات، وإن اتحدت لغتهم أنزل الله تعالى كتابه على لهجاتهم ليتمكنوا من تلاوته وينتفعوا بما فيه من أحكام وشرائع، فلو نزل بلهجة واحدة لكان في ذلك من المشقة ما لا يخفى، وخاصة أن العرب في ذلك الوقت أمة أميَّة لا تكتب ولا تحسب، ومن الصعب على الإنسان أن يتحول من لهجته التي درج عليها، فلو كلف الله تعالى العرب مخالفة لهجاتهم التي درجوا عليها، لكان في ذلك مشقة وحرج شديد، وهذا الدين جاء برفع المشقة والحرج (وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ) .
ولقد يسر الله تعالى حفظ هذا الكتاب وتلاوته ليكون دستورًا للأمة تطبقه في واقع حياتها، وتتعبد بتلاوته آناء الليل والنهار.
وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقرئ الصحابة بلهجاتهم، ليسهل على كل قبيلة تلاوته بما يوافق لهجتها، فلم يضيعوا منه جملة واحدة، ولم يغفلوا منه كلمة، بل ولا حرفًا ولا حركة ولا سكونًا، ونقله التابعون عن الصحابة على هذا الوجه من الإحكام والتحرير والإتقان والتجويد.
ثم إن جماعة من التابعين وأتباع التابعين كرسوا حياتهم، ووهبوا أعمارهم، وقصروا جهودهم على قراءة القرآن وإقرائه، وعنوا العناية التامة بضبط ألفاظه، وتجويد كلماته، وتحرير قراءاته، وتحقيق رواياته، وكان ذلك شغلهم الشاغل، وهدفهم الأوحد حتى صاروا في ذلك أئمة يقتدى بهم، ويرحل إليهم ويؤخذ عنهم، لذلك نسبت القراءة إليهم فقيل: قراءة فلان كذا وكذا، فنسبة القراءة إليهم نسبة ملازمة ودوام لا نسبة اختراع وابتداع، ومن هؤلاء الذين انقطعوا للتعلم والتعليم القراء العشر أصحاب القراءات المعروفة، وعلى رأسهم قارئ المدينة: نافع بن عبد الرحمن بن أبي نعيم، وراوياه عيسى بن مينا بن وردان الملقب: قالون. وعثمان بن سعيد الملقب: ورش.
وقد اشتهرت روايتهما عن نافع في المغرب الغربي، وشمال وغرب أفريقيا، وفي ليبيا اشتهرت رواية قالون حيث طبع هناك مصحف بروايته، وحسب علمنا فلم تطبع رواية قالون إلا في ليبيا مع أنهم يقرأون أيضًا برواية ورش.
والله أعلم.
المفتي: مركز الفتوى بإشراف د.عبدالله الفقيه
كتب الاخ: متعلم
الحمد لله وكفى .. وسلام على عباده الذين اصطفى .. ثم أما بعد ..
يعترض النصرانى على القرآن ، ببعض آياته التى أتت على غير الشائع نحويًا ، يظن واهمًا أن ذلك ينقص من شأن الكتاب العزيز .
فكيف يكون رد المسلم على ذلك ؟
عادة ما يلجأ المسلم إلى أقوال علماء النحو واللغة ، وفيها تخريجات نحوية للإشكال المتوهم في الآية ، وغالبًا ما يشير ـ العالم ـ إلى أن الإشكال المتوهم هو لغة جائزة عند العرب .
كل هذا جميل ورائع ، لكن هناك أمرًا قبله علينا أن نعيه أولًا ، ثم نعلمه للنصارى ثانيًا .
إن النصارى يحاكمون القرآن العظيم إلى منهج القواعد النحوية للصف الثالث الإعدادى !
يظنون أن القواعد النحوية حاكمة على القرآن !
وهذا جهل فاضح بنشأة علم النحو .
إن علم النحو ليس علمًا عقليًا ، بمعنى أن سيبويه ـ مثلًا ـ لم يعتمد على التفنن العقلى في تقرير قواعد النحو .
إن علم النحو مبنى على الاستقراء .
فسيبويه ـ مثلًا ـ أخذ يحلل كل النصوص الواردة عن العرب ، من شعر وخطابة ونثر وغير ذلك ، فوجد أنهم ـ العرب ـ دائمًا يرفعون الفاعل في كلامهم ، فاستنبط من ذلك قاعدة"الفاعل مرفوع".. وهكذا نتجت لدينا"قاعدة نحوية"تسطر في كتب النحو ، ليتعلمها الأعاجم فيستقيم لسانهم بالعربية إذا جرت عليه .
أفلو كان سيبويه وجد العرب ينصبون الفاعل ، أكنا سنجد كتاب القواعد النحوية في الصف الثالث الإعدادى ، يخبرنا بأنه يجب علينا نصب الفاعل كلما وجدناه ؟
بلى قارئى الكريم !
إن علم النحو مبنى على الاستقراء .."القواعد النحوية"مستنبطة من"استقراء"صنيع العرب في كلامهم .
إذا فهمت هذه النقطة قارئى الكريم ، سيسهل عليك ـ إن شاء الله ـ فهم ما بعدها .
وهو أن العرب لم تكن كلها لهجة واحدة ، ولم تكن كلها تسير على نفس القواعد النحوية ذاتها ، ولم تكن تلتزم كل قبيلة منها بنفس المعاملات النحوية .
إن قبائل العرب لم تكن تسير في كلامها على منهج النحو للصف الثالث الإعدادى !
وليس معنى ذلك أنه كان لكل قبيلة"نحوها"الخاص بها .. كلا .. وإنما اشتركت كل قبائل العرب فى"معظم"القواعد النحوية المشهورة الآن .. لكنها ـ أبدًا ـ لم تجتمع على"كل"تلك القواعد بعينها .