فهرس الكتاب
- 📄
- 📄
ولاشك أن هاتين منزلتان في مواجهة الباطل وأهله، وأن الصدع بالحق والصبر على البلاء أعلى منزلة، وأسمى درجة من الأخذ بالرخصة؛ لأن الأول آمن بقلبه ولسانه، والآخر آمن بقلبه فقط ونطق لسانه الكفر.
لذلك، ففي حركة الردة حاول مسيلمة الكذاب أن يطوف بالقبائل لينتزع منهم شهادة بصدق نبوته، فقال لرجل: ما تقول في محمد؟ قال: رسول الله، قال: فما تقول في؟ فقال الرجل في لباقة: وأنت كذلك، يعني أخرج نفسه من هذا المأزق دون أن يعترف صراحة بنبوة هذا الكذاب.
فقابل آخر وسأله: ما تقول في محمد؟ قال: رسول الله، قال: وما تقول في؟ فقال الرجل متهكمًا: اجهر لأني أصبحت أصم الآن، وأنكر على مسيلمة ما يدعيه فكان جزاؤه القتل. فلما علم رسول الله صلى الله عليه وسلم خبرهما قال:"أحدهما استعمل الرخصة، والآخر صدق بالحق."
وقد تحدث العلماء عن الإكراه في قوله تعالى:
{إلا من أكره وقلبه مطمئن بالإيمان .."106"}
(سورة النحل)
وأوضحوا وجوه الإكراه وحكم كل منها، على النحو التالي:
ـ إذا أكره الإنسان على أمر ذاتي فيه. كأن قيل له: اشرب الخمر وإلا قتلتك أو عذبتك قالوا: يجب عليه في هذه الحالة أن يشربها وينجو بنفسه؛ لأنه أمر يتعلق به، ومن الناس من يعصون الله بشربها. فإن قيل له: اكفر بالله وإلا قتلتك أو عذبتك، قالوا: هو مخير بين أن يأخذ بالتقية هنا، ويستخدم الرخصة التي شرعها الله له، أو يصدع بالحق ويصمد.
ـ أما إذا تعلق الإكراه بحق من حقوق الغير، كأن قيل لك: اقتل فلانًا وإلا قتلتك، ففي هذه الحالة لا يجوز لك قتله؛ لأنك لو قتلته لقتلت قصاصًا، فما الفائدة إذن؟
وبعد أن تحدث الحق تبارك وتعالى عن حكم من أكره وقلبه مطمئن بالإيمان، يتحدث عن النوع الآخر:
{ولكن من شرح بالكفر صدرًا .."106"}
(سورة النحل)
أي: نطق كلمة الكفر راضيًا بها، بل سعيدة بها نفسه، منشرحًا بها صدره، وهذا النوع هو المقصود في جواب الشرط.
{فعليهم غضب من الله ولهم عذاب عظيم"106"}
(سورة النحل)
فإن كانت الآيات قد سكتت عمن أكره، ولم تجعل له عقوبة لأنه مكره، فقد بينت أن من شرح بالكفر صدرًا عليه غضب من الله أي: في الدنيا. ولهم عذاب عظيم أي: في الآخرة.
وكما رأينا في تاريخ الإسلام نماذج للنوع الأول الذي أكره وقلبه مطمئن بالإيمان، كذلك رأينا نماذج لمن شرح بالكفر صدرًا، وهم المنافقون، ومنهم من أسلم بعد ذلك وحسن إسلامه، ومنهم عبد الله ابن سعد بن أبي السرح من عامر بن لؤي
اختلف المفسرون فيما يتعلق بالإسراء فقالوا إنه كان من الكعبة أو من الحِجْر، أو من بيت أم هانئ.
وقال محمد: بينما كنت نائمًا في بيت أم هانئ بعد صلاة العِشاء، أُسري بي . فارتدّ كثير من قريش ورأوا أن هذا من أضغاث الأحلام، أو الأوهام. ومن أقواله في الحديث إن الصلاة كانت خمسين، فتوسّط لدى الله وجعلها خمسة وقت الإسراء (ابن كثير في تفسير هذه الآية) .
وقد أورد الرازي عدة شبهات حول أحاديث الإسراء والمعراج:
-1 - الحركة البالغة في السرعة إلى هذا الحدّ غير معقولة. وصعود الجرم الثقيل إلى السموات غير معقول. وصعوده إلى السموات يوجب انخراق الأفلاك، وذلك محال.
-2 - هذا المعنى لو صحّ لكان أعظم من سائر المعجزات. وكان يجب أن يظهر ذلك عند اجتماع الناس حتى يستدلّوا به على صدقه في ادّعاء النبوّة. فأما أن يحصل ذلك في وقت لا يراه أحد ولا يشاهده أحد، فإنه يكون عبثًا، وذلك لا يليق بالحكيم.
-3 - تمسّكوا بقوله وما جعلنا الرؤيا التي أريناك إلاّ فِتْنةً للناس (الإسراء 60) . وما تلك الرؤيا إلا حديث المعراج، وإنما كان فتنة للناس لأن كثيرًا ممن تبع محمدًا لما سمع هذا الكلام كذَّبه وكفر به، فكان حديث المعراج سببًا لفتنة الناس، فثبت أن ذلك رؤيا رآها في المنام.
-4 - اشتمل حديث المعراج على أشياء بعيدة منها ما روي من شق بطنه وتطهيره بماء زمزم وهو بعيد، لأن الذي يمكن غسله بالماء هو النجاسات العينية، ولا تأثير لذلك في تطهير القلب من العقائد الباطلة والأخلاق المذمومة. ومنها ما روي من ركوب البُراق وهو بعيد، لأن الله لما سيّره من هذا العالم إلى عالم الأفلاك، فأيّ حاجةٍ إلى البراق. ومنها ما رُوي أنه تعالى أوجب خمسين صلاة ثم إن محمدًا لم يزل يتردد بين الله وبين موسى إلى أن أعاد الخمسين إلى خمس بسبب شفقة موسى. قال القاضي: وهذا يقتضي نسخ الحكم قبل حضوره، وإنه يوجب البداء وذلك على الله محال، فثبت أن ذلك الحديث مشتمل على ما لا يجوز قبوله، فكان مردودًا (الرازي في تفسير الإسراء 17: 1) .