فهرس الكتاب

الصفحة 2037 من 4557

وقال ابن كثير: وهذا مشهور عند كثير من القراء والفقهاء أن ابن مسعود كان لا يكتب المعوذتين في مصحفه، فلعله لم يسمعهما من النَّبِيّ ?، ولم يتواتر عنده، ثم قد رجع عن قوله ذلك إلى قول الجماعة، فإن الصحابة ? أثبتوهما في المصاحف الأئمة، ونفذوها إلى سائر الآفاق كذلك، ولله الحمد والمنَّة. (28)

وعلى صحة هذا النقل يكون الجواب عن هذه الشبهة بوجوه، منها -إضافةً إلى ما سبق:

1-أن ترك كتابة ابن مسعودٍ المعوذتين في مصحفه ليس بالضرورة إنكارًا لقرآنيتهما، إذ ليس يجب على الإنسان أن يكتب جميع القرآن، فلو أنه كتب بعضًا وترك بعضًا، فليس عليه عيب ولا إثم. (29)

2-أنه يحتمل أن يكون ابن مسعودٍ ? لم يسمع المعوذتين من النَّبِيّ ?، ولم تتواترا عنده، فتوقف في أمرهما.

فإن قيل: ولِمَ لَمْ ينكر عليه الصحابة، يجاب بأنَّهم لم ينكروا عليه لأنه كان بصدد البحث والتثبت في هذا الأمر. (30)

3-أنه يَحتمل أنه كان يسمعهما من النَّبِيّ ?، وكان يراه ? يعوِّذ الحسن والحسين بِهما، فظن أنَّهما ليستا من القرآن، وأقام على ظنه ومخالفة الصحابة جميعًا، ثم لَمَّا تيقن قرآنيتهما رجع إلى قول الجماعة. (31)

عَنْ سُفْيَانَ قَالَ: … وَلَيْسَا فِي مُصْحَفِ ابْنِ مَسْعُودٍ، (32) كَانَ يَرَى رَسُولَ اللهِ ? يُعَوِّذُ بِهِمَا الْحَسَنَ وَالْحُسَيْنَ، وَلَمْ يَسْمَعْهُ يَقْرَؤُهُمَا فِي شَيْءٍ مِنْ صَلاَتِهِ، فَظَنَّ أَنَّهُمَا عُوذَتَانِ، وَأَصَرَّ عَلَى ظَنِّهِ، وَتَحَقَّقَ الْبَاقُونَ كَوْنَهُمَا مِنَ الْقُرْآنِ فَأَوْدَعُوهُمَا إِيَّاهُ. (33)

ومِمَّا يؤيد أنه رجع إلى قول الجماعة، ما ذكرناه آنفًا من صحة قراءة عاصم وغيره عنه، وأن فيها المعوذتين.

4-أنه على فرض استمرار عبد الله بن مسعودٍ على إنكار قرآنية المعوذتين، ومَحوهما من المصاحف، يُجاب بأنه ? انفرد بِهذا الإنكار، ولم يتابعه عليه أحدٌ من الصحابة ولا غيرهم، وانفراده على فرض استمراره عليه لا يطعن في تواتر القرآن، فإنه ليس من شرط التواتر ألاَّ يُخالف فيه مخالفٌ، وإلا لأمكن هدم كل تواتر، وإبطال كل علم قام عليه بمجرد أن يُخالف فيه مخالفٌ.

فلو أنه ثبت أن ابن مسعود ? أنكر المعوذتين، بل أنكر القرآن كله، واستمر على ذلك، فإن إنكاره لا يقدح في تواتر القرآن.

قال البزار: لم يتابع عبدَ الله أحدٌ من الصحابة. (34)

ولا شكَّ أن إجماع الصحابة على قرآنيتهما كافٍ في الردِّ على هذا الطعن، ولا يضرُّ ذلك الإجماع مخالفة ابن مسعود، فإنه لا يُعقل تصويب رأي ابن مسعودٍ وتخطئة الصحابة كلهم، بل الأمة كلها. (35)

وقد استشكل الفخر الرازي على فرض صحة النقل عن ابن مسعودٍ في إنكاره قرآنية المعوذتين أنه إن قيل إن قرآنية المعوذتين كانت متواترةً في عصر ابن مسعودٍ، لزم تكفير من أنكرهما، وإن قيل إن قرآنيتهما لم تكن متواترةً في عصره، لزم أن بعض القرآن لم يتواتر في بعض الزمان، قال: وهذه عقدة صعبة. (36)

ويجاب عن هذا الاستشكال بأن تواتر قرآنية المعوذتين في عصر ابن مسعودٍ لا شكَّ فيه، ولا يلزم من ذلك تكفيره ?، إذ إن التواتر -وإن كان يفيد العلم الضروري- فإنه نفسه ليس علمًا ضروريًّا -أي أنه قد يخفى على بعض الناس، فليس من الضروري أن يعلم كلُّ واحدٍ من أهل العصر بتواتر الشيء، فإن خفي عليه هذا التواتر كان معذورًا، فلا يُكَفَّر.

قال ابن حجر: وأجيب باحتمال أنه كان متواترًا في عصر ابن مسعودٍ، لكن لم يتواتر عند ابن مسعود، فانحلَّت العقدة بعون الله تعالى. (37) تابع: رد الشبهات التي أثيرت حول الجمع العثماني

الطريقة والمنهج الذي كتب به:-

وحدد عثمان - رضي الله عنه - مع الكُتّاب - رضي الله عنهم - الأسس والمنهج الذي يعتمدون عليه في نسخ المصاحف العثمانية وهي:-

1-لا يكتب شيء إلا بعد التحقق من أنه قرآن .

2-لا يكتب شيء إلا بعد العلم بأنه استقر في العرضة الأخيرة .

3-لا يكتب شيء إلا بعد التأكد أنه لم ينسخ .

4-لا يكتب شيء إلا بعد عرضه على جمع من الصحابة .

5-إذا اختلفوا في شيء من القرآن كتبوه بلغة قريش .

6-يحافظ على القراءات المتواترة ولا تكتب قراءة غير متواترة .

7-اللفظ الذي لا تختلف فيه وجوه القراءات يرسم بصورة واحدة .

8-اللفظ الذي تختلف فيه وجوه القراءات ويمكن رسمه في الخط محتملًا لها كلها يكتب برسم واحد مثل: (إن جاءكم فاسق بنبأ فتبينوا) ، فإنها تصح أن تقرأ بالقراءة الأخرى (فتثبتوا) لأن الكتابة كانت خالية من النقط والشكل .

9-اللفظ الذي تختلف فيه وجوه القراءات ولا يمكن رسمه في الخط محتملًا لها يكتب في نسخة برسم يوافق بعض الوجوه وفي نسخة أخرى برسم يوافق الوجه الآخر . مثل (ووصى بها إبراهيم بنيه ويعقوب ) ، فإنها تكتب في نسخة أخرى (وأوصى) . (3)

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت