وبعد... فهذه هي سورة القدر ( والقدر: المنزلة)
اسم حمله عنوان السورة بوصفه دالًا لفظيًا لا مدلول له، مرتبطًا بزمن لا غاية واضحة لذكره.
وتعظيم لفرقان جاء نورًا في وقت مشبع بالنور إلى حد الإبهار ( ومضة )
وترادف في المعاني، يكفي ذكر أحدها ليغني عن سواه، ويريح كاهل النص من فائض الكلمات، والدوران في فلك التقليد السطحي ومحاولة الصوغ الساذج ...
إنها سورة قدر لا قدر لها !!!
بقلم الأستاذ عبد الرحيم الشريف
ماجستير في التفسير وعلوم القرآن
شبهة أن القرآن الكريم ابتدعه فكر سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم وعبقريته وهواه، لينال بذلك المجد والشهرة، ويبرر بعض شهواته ( المزعومة ) وتسهل سيطرته على أتباعه، ترغيبًا وترهيبًا.
الجواب عنها:
إن الزعم بأن القرآن الكريم من اختراع أهواء وتخيلات سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم ، من أضعف شبهاتهم. فهل عجزت أمهات ملايين العرب أن يلدن مثله؟ وهل كانت كل ظروف حياته تؤهله ليكون مرتاح البال، هانئًا، جالسًا على أريكته.. ممسكًا ورقة وقلمًا يكتب آيات من القرآن الكريم؟! إن ما يستطيعه آحاد البشر، يستطيعه مجموع البشر بالضرورة. فلماذا لم يقوموا بذلك إذًا؟
كما أن هنالك عدة ردود على ذلك الزعم، منها: [1]
1.الفرق في الأسلوب بين القرآن الكريم والحديث الشريف، فمن المؤكد أن الشخص الواحد مهما كان أديبًا عبقريًا يستحيل أن تصدر عنه جمل مختلفة في أسلوبها في الوقت ذاته. فرسول الله صلى الله عليه وسلم بشر، يغضب ويفرح ويحزن ويتألم.. ولكنك تجد الفرق واضحًا بين ما صدر عنه من حديث نبوي شريف، وما أخبرنا أنه قرآن كريم.
فلو كان مصدر القرآن والحديث واحد، لكان من العسير جدًا التفريق بين أسلوبيهما ونظمهما.
ولماذا لم يدَّعِ محمد صلى الله عليه وسلم أن أحاديثه آيات رغم أنها كذلك موحىً بها من عند الله جل جلاله . [2]
ولا يمكن القول أن لمحمدٍ صلى الله عليه وسلم أسلوبان فيما يصدر عنه من كلام، أسلوب منمق مزخرف هو القرآن الكريم، وأسلوب أقل منه هو الحديث الشريف. لأن أكثر القرآن الكريم نزل فجأة دون انتظار منه صلى الله عليه وسلم ، كما أن الرسول صلى الله عليه وسلم هو أكثر الناس كرها للتنميق في الكلام، ولا ننسى أننا نتحدث عن العصر الذهبي للعربية، الذي سلمت في أذواق العرب وسليقتهم من أي مظهر من مظاهر اللحن.
هاتوا لنا إنسانًا له موهبة أن يقول قولًا، وسجلوا له ميزات أسلوبه. ثم اسألوه أن يغير الأسلوب إلى أسلوب آخر، ثم سجلوا له الأسلوب الآخر. ثم قولوا له نريد أسلوبًا ثالثًا.. فإنه لا يستطيع أن يبرأ من أسلوبه الأول أبدًا؛ لأن الأسلوب هو الطريقة اللازمة للشخص في أداء المعنى. وما دامت له طريقة في أداء المعنى، فإن الأداء سيأخذ تشخيصًا لا يمكن أن يبرأ صاحبه نفسه منه.. [3]
2.من تتبع سيرة النبي صلى الله عليه وسلم يرى مقدار خشيته من الله تعالى، وورعه. فيستحيل أن يترك الخداع والكذب على الناس، ويكذب فيما ينسبه إلى الله جل جلاله.
3.ماذا يريد الإنسان من دعوى النبوة إن كان كاذبًا؟ إنه لا يريد أكثر من الجاه والمال. وقريش عرضت على رسول الله صلى الله عليه وسلم أقصى ما يتمناه خيال أي عربي في ذلك الزمان، من مال وجاه ونساء.. ولكنه ترك ذلك كله، وكان ينام على حصير أثر على جنبه الشريف صلى الله عليه وسلم ، وتعرض لعدة محاولات لاغتياله. وحارب المشركين.. رغم أنه كان يمكنه المكوث في عز وهناء، لو ترك الدعوة إلى دين الإسلام.
4.وجوه إعجاز القرآن الكريم المختلفة من بياني وعلمي وغيبي وتشريعي.. لم يأتِ بشرٌ بمثلها.
5.خلو القرآن الكريم من تسجيل حوادث مهمة في حياته، وأسماء أحبائه وأقرب المقربين إليه (والديه، أبنائه، السابقين إلى الإسلام، نسائه..) بل لم يذكر اسمه في القرآن الكريم إلا أربع مرات فقط.
6.وجود آيات العتاب في القرآن الكريم لسيدنا محمد صلى الله عليه وسلم .
7.كانت تمر على سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم الملمات الكثيرة، والقضايا العديدة التي تتطلب جوابًا سريعًا كحقيقة حادثة الإفك، والثلاثة الذين تخلفوا عن غزوة تبوك.. وتوفيت زوجه خديجة رضي الله عنها، وعمه أبو طالب، وابنه إبراهيم دون أن يذكر القرآن الكريم من ذلك شيئًا يواسيه.
وتزوج من أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها دون أن يسطر ذلك في القرآن الكريم، بينما زواجه من أم المؤمنين زينب رضي الله عنها فقد تحدث القرآن الكريم عنه؛ لكونه ذا صلة بالتشريع.
8.لم يجعل لاجتهاداته الشخصية أي تشريع ملزم للصحابة: كحادثة تأبير النخل [4] ، واستشاراته المتكررة للصحابة في شتى الأمور تدل على ذلك أيضًا.