فهرس الكتاب
- 📄
- 📄
وأما القصص فهو هذا النوع أو الفن الأدبي الذي يسوق حياة الأنبياء والأمم السابقة وما يتصل بها للعظة وتثبيت فؤاد الرسول، والقرآن الكريم ـ كما يلي ـ يسوق أنباءه صادقة كما هي في الواقع التاريخي، وإن لم يلتزم هذه المعالم الشكلية لعلم التاريخ والقصة الحديثة، وسنرى أن طبيعة القصص هنا ومراميه تنفي عنه ما يرميه به المبشرون وأضرابهم من أنه يخرج على التاريخ، ويزيد ويبتكر ويخترع في الأخبار، أو يدلس ويفتري الكذب ويسوقه على أنه التاريخ... وكل هذا سترد عليك هنا شواهده ومناقشته.
2 ـ وأما التصوير فهو الأسلوب البياني أو البلاغي القائم على التشبيه والمجاز والاستعارة والمبالغة ونحوها، وهذا النوع لا يشترط فيه أن تكون دلالته حرفية أو يكون له مرجع واقعي حسي في جميع عناصره، لأن الغرض منه المبالغة، وقوة التأثير، والاعتماد على ما ألف العرب مما يبعث فيهم الانفعال، وإدراك المراد في قوة وجمال كقوله تعالى في شأن المرابين: (( الذين يأكلون الربا لا يقومون إلا كما يقوم الذي يتخبطه الشيطان من المس ) )، فإذا كان المخاطبون لم يروا الشيطان فإن صورته الخيالية في أذهانهم هي أنه يصيب الناس بالخبل وفساد النفس والجسم، فقام التشبيه في الآية الكريمة على هذا الأصل التصوري كما يتوهمه العرب، وهذا التصوير يفيد في تقوية الفكرة وإيضاحها من وجه، ولكنه من وجه آخر لا يعد كذبا، ولا يتخذ مقياسا يقاس به وجوب توافر عناصر التشبيه كلها بشكل حسي بحيث تراه العين، ويتعامل معه الناس، ذلك الوجود المادي الذي تلتمسه في التقرير.
ومن ذلك قوله تعالى في شجرة الزقوم: (( طلعها كأنه رؤوس الشياطين ) )، حيث صور ثمر هذه الشجرة برؤوس الشياطين تقبيحا لها، اعتمادًا على تخيل المخاطبين.
ومن قريب ذلك قوله تعالى في قصة ذي القرنين: (( حتى إذا بلغ مغرب الشمس وجدها تغرب في عين حمئة ) )، إذ صور مغيب الشمس بالعين الحمئة نزولًا على ما يتراءى لعين الناظر عند غروب الشمس، وبذلك يندفع ما يتشدق به تلاميذ الجغرافيا حين ينكرون هذه الصورة، ويقيسونها بمقياس الفكرة أو الحقيقة العلمية، ونحو ذلك مما لا يتصل بأصل الخبر وجوهر معناه، فلا يصح أن يقال فيه إنه يخالف الواقع، لا يقال، ذلك، لأن الأسلوب يجاوز منطقة الفكرة إلى مجال الخيال، وجمال التصوير، وحسن التعبير، ومن هنا نفرق بين أسلوبي التقرير والتصوير.
وقريب من ذلك أيضا ما يرد في العبارات الأدبية من ذكر آلهة الخير والشر عند قدماء اليونان، أو أصنام العرب، أو الأطلال والدمن عند الأدباء المحدثين، فليس شئ من ذلك داخلا في عقائد الكتاب والشعراء المتأخرين أو المعاصرين، وإنما هي صور ـ أكلشيهات ـ ترمز إلى معان باقية، أو هي تعبير عن معان جديدة بصور قديمة.
ولعلك لاحظت أننا نذكر شيئًا عن هذه الأنواع الأدبية الأخرى غير القصص، لأنها تتصل بنفس ما اتهم به القصص من كذب وتبديل عند الذين لم يتبينوا الفرق بين الأساليب القرآنية.
الجواب:
لم يرد في القرآن الكريم نص يدل على موت عيسى عليه السلام الموتة النهائية ، وإنَّما الذي ورد لفظ الوفاة والتوفي ، وهذه ألفاظ لا ينحصر معناها في الموت ، بل تحتمل معاني أخرى منها: استيفاء المدة ، وعيسى عليه السلام قد استوفى مدة مكثه الأول في الأرض ، ومنه قوله تعالى: (( إِذْ قَالَ اللهُ يَا عِيسَى إِنِّي مُتَوَفِّيكَ وَرَافِعُكَ إِليَّ وَمُطَهِّرُكَ مِنَ الذِّينَ كَفَرُوا ) )أي: آخذك وافيًا بروحك وبدنك وقد نقل هذا المعنى ابن جرير في تفسيره عن جماعة السلف ، واختاره ورجحه على ما سواه ، وعليه يكون معنى الآية: إني قابضك من عالم الأرض إلى عالم السماء وأنت حي ورافعك إلي ، ومن هذا المعنى قول العرب: توفيت مالي من فلان أي قبضته كله وافيًا . وجاء في محاسن التأويل: 4 / 851: ( إني متوفيك ) ، أي مستوف مدة إقامتك بين قومك ، والتوفي كما يطلق على الاماتة كذلك يطلق على استيفاء الشىء - كما في كتب اللغة - ولو ادعى أن التوفي حقيقة في الأول ، والاصل في الاطلاق الحقيقة ، فنقول: لا مانع من تشبيه سلب تصرفه عليه السلام بأتباعه وانتهاء مدته المقدرة بينهم بسلب الحياة ، وهذا الوجه ظاهر جدًا وقد دلت القرآئن من الاحاديث الصحيحة على ذلك .
وقد جزم القرآن الكريم بأن عيسى عليه السلام لم يقتل كما زعم النصارى ، بل رفعه الله تعالى إليه ، قال تعالى: (( ... وَمَا قَتَلُوهُ يَقِينًا ، بَل رَفَعَهُ اللَّهُ إِلَيهِ ... ) ).