كتب الدكتور هشام عزمي
نصُ الأثرِ:
روى الإمامُ البخاري في"صحيحه" (3849) ، كتاب مناقب الأنصار ، بابٌ القسامة في الجاهليةِ:
حَدَّثَنَا نُعَيْمُ بْنُ حَمَّادٍ ، حَدَّثَنَا هُشَيْمٌ ، عَنْ حُصَيْنٍ ، عَنْ عَمْرِو بْنِ مَيْمُونٍ قَالَ:"رَأَيْتُ فِي الْجَاهِلِيَّةِ قِرْدَةً اجْتَمَعَ عَلَيْهَا قِرَدَةٌ ، قَدْ زَنَتْ ، فَرَجَمُوهَا ، فَرَجَمْتُهَا مَعَهُمْ ."
الردُ:
أولًا:
هذا الحديثُ ليس على شرطِ الإمامِ البخاري ، فصحيحُ البخاري سماهُ:"الجامعُ المختصرُ المسندُ الصحيحُ من أمورِ رسولِ اللهِ - صلى اللهُ عليه وسلم - وسننهِ وأيامهِ"فالخبرُ ليس مسندًا للرسولِ فهو ليس على شرطِ البخاري - رحمهُ اللهُ - .
فالأحاديثُ الموقوفةُ ، وهي الأحاديثُ التي تروى عن الصحابةِ ، ولا يتمُ رفعُها للنبي - صلى اللهُ عليه وسلم - ، والتي يسميها بعضُ أهلِ العلمِ"الآثار"هي ليست كذلك على شرطِ البخاري - رحمه الله - .
وكذلك الأحاديثُ المعلقةُ ، وهي الأحاديثُ التي يوردها البخاري ، ويحذفُ أولَ أسانيدها ، أو يوردُ قولًا بدون سندٍ كأن يقول:"قال أنسٌ"، أو يوردهُ بصيغةِ التمريضِ كأن يقول:"يُروى عن أنسٍ"، وهذه المعلقاتُ سواءٌ رواها بصيغةِ الجزمِ ، أو بصيغةِ التمريضِ ، فليست هي على شرطِ الإمامِ البخاري ، وقد بلغت معلقاتُ البخاري في الصحيحِ ألفًا وثلاثمائة وواحدًا وأربعين .
ثانيًا:
هذا الخبرُ رواهُ عمرو بنُ ميمونٍ ، وهو من كبارِ التابعين ، وليس صحابيًا ، وإنما هو ممّن أدرك الجاهليةَ ، وأسلم في عهدِ النبي - صلى اللهُ عليه وسلم - ولكنهُ لم يرهُ ، ولم يرو عنهُ ، ويطلقُ على أمثالهِ في كتبِ التراجمِ والرجالِ:"مُخَضْرَمٌ"، ترجم له الحافظُ في"التقريب"فقال:"مُخَضْرَمٌ مَشْهُوْرٌ" [ سيرُ أعلامِ النبلاء (4/158) - والإصابةُ (3/118 ) ] .
قال ابنُ الجوزي - رحمه الله:"وقد أوهم أبو مسعود بترجمةِ عمرو بنِ ميمونٍ أنهُ من الصحابةِ الذين انفرد بالإخراجِ عنهم البخاري ، وليس كذلك فإنهُ ليس من الصحابةِ ، ولا لهُ في الصحيحِ مسندٌ". [ كشفُ المشكلِ من حديثِ الصحيحين لابن الجوزي (4/175) ] .
فعمرو بنُ ميمونٍ كما قال الإمامُ القرطبي - رحمه الله - يعدُ من كبارِ التابعين من الكوفيين [ تفسيرُ القرطبي (1/442) تفسير سورة البقرة الآية 65 ] .
ثالثًا:
البخاري - رحمهُ اللهُ - لما ذكر هذا الأثرَ الذي ليس على شرطهِ ، إنما أراد الإشارةَ إلى فائدةٍ والتأكيدِ على أن عمرو بنَ ميمونٍ قد أدرك الجاهليةَ ، ولم يبالِ البخاري بظنِ عمرو الذي ظنهُ في الجاهليةِ ، بأن القردةَ قد زنت فرجموها بسببِ الرجمِ .
رابعًا:
الخبرُ استنكرهُ الإمامُ ابنُ عبدِ البرِ - رحمهُ اللهُ - قال الحافظُ ابنُ حجرٍ - رحمهُ اللهُ -:"وَقَدْ اِسْتَنْكَرَ اِبْن عَبْد الْبَرّ قِصَّة عَمْرو بْن مَيْمُون هَذِهِ وَقَالَ:"فِيهَا إِضَافَة الزِّنَا إِلَى غَيْر مُكَلَّف ، وَإِقَامَة الْحَدّ عَلَى الْبَهَائِم وَهَذَا مُنْكَر عِنْد أَهْل الْعِلْم". [ فتح الباري لابن حجر 7/197 ( الطبعة السلفية ) ] ."
خامسًا:
استنكر الخبرَ الإمامُ الألباني - رحمه الله - فقال:"هذا أثرٌ منكرٌ ، إذ كيف يمكنُ لإنسانٍ أن يعلمَ أن القردةَ تتزوجُ ، وأن من خُلقهم المحافظةَ على العرضِ ، فمن خان قتلوهُ ؟! ثم هبّ أن ذلك أمرٌ واقعٌ بينها ، فمن أين علم عمرو بنُ ميمون أن رجمَ القردةِ إنما كان لأنها زنت". [ مختصر صحيح البخاري للألباني (2/535) ] .
سادسًا:
قال الشيخُ الألباني - رحمهُ اللهُ -:"وأنا أظنُ أن الآفةَ من شيخِ المصنفِ نعيمِ بنِ حمادٍ ، فإنهُ ضعيفٌ متهمٌ ، أو من عنعنةِ هُشيم ، فإنهُ كان مدلسًا". [ مختصر صحيح البخاري للألباني (2/535) ]
سابعًا:
وممن ذهب إلى تضعيفِ الأثرِ محققُ"سير أعلام النبلاء" (4/159) فقد قال في الحاشيةِ:"ونعيمُ بنُ حمادٍ كثيرُ الخطأِ ، وهُشيمٌ مدلسٌ وقد عنعن".
ثامنًًا: