والمراد بالظن في قوله { وَإِنِّي لأَظُنُّهُ كَاذِبًا } اليقين لقوله - تعالى - في آية أخرى: { وَقَالَ فِرْعَوْنُ ياأيها الملأ مَا عَلِمْتُ لَكُمْ مِّنْ إله غَيْرِي فَأَوْقِدْ لِي ياهامان عَلَى الطين فاجعل لِّي صَرْحًا لعلي أَطَّلِعُ إلى إله موسى وَإِنِّي لأَظُنُّهُ مِنَ الكاذبين } فقوله - كما حكى القرآن عنه -: { مَا عَلِمْتُ لَكُمْ مِّنْ إله غَيْرِي } قرينة قوية على أن المراد بالظن في الآيتين: اليقين والجزم ، بسبب غروره وطغيانه .
أى: ونى لأعتقد وأجزن بأن موسى كاذبا في دعواه أن هناك إلها غيرى لكم ، وفى دعواه أنه رسول إلينا .
أى: وإنى لأعتقد وأجزم بأن موسى كاذبا في دعواه أن هناك إلها غيرى لكم ، وفى دعواه أنه رسول إلينا .
وكرر لفظ الأسباب لأن اللفظ الثانى يدل على الأول ، والشئ إذا أبهم ثم أوضح ، كان تفخيما لشأنه ، فلما أراد تفخيم ما أمل بلوغه من أسباب السموات أبهمها ثم أوضحها .
وقوله: { فأطلع } قرأه الجمهور بالرفع عطفا على { أبلغ } فيكون في حيز الترجى .
وقرأه بعض القراء السبعة بالنصب فيكون جوابا للأمر في قوله: { ابن لِي صَرْحًا . . } .
ولا شك أن قول فرعون هذا بجانب دلالته على أنه بلغ الغاية في الطغيان والفجور والاستخفاف بالعقول ، يدل - أيضا - على شدة خداعه ، إذ هو يريد أن يتواصل من وراء هذا القول إلى أنه ليس هناك إله سواه ولو كان هناك إلأه سواه لشاهده هو وغيره من الناس .
قال الإِمام ابن كثير: وذلك لأن فرعون بنى هذا الصرح ، الذى لم ير في الدنيا بناء أعلى منه ، وإنما أراد بهذا أن يظهر لرعيته تكذيب موسى فيما قاله ، من أن هناك إلها غير فرعون . .
وقال الجمل في حاشيته ما ملخصه: وقول فرعون هذا المقصود منه التلبيس والتمويه والتخليط على قومه توصلا لبقائهم على الكفر ، وإلا فهو يعرف حقيقة الإِله ، وأنه ليس في جهة ، ولكنه أراد التلبيس ، فكأنه يقول لهم: لو كان إله موسى موجودا لكان له محل ، ومحله إما الأرض وإما السماء ، ولم نره في الأرض ، فيبقى أن يكون في السماء ، والسماء لا يتوصل إليها إلا بسلم .
في ظلال القرآن - (ج 6 / ص 258)
يا هامان ابن لي بناء عاليًا لعلي أبلغ به أسباب السماوات ، لأنظر وأبحث عن إله موسى هناك { وإني لأظنه كاذبًا } . . هكذا يموه فرعون الطاغية ويحاور ويداور ، كي لا يواجه الحق جهرة ، ولا يعترف بدعوة الوحدانية التي تهز عرشه ، وتهدد الأساطير التي قام عليها ملكه . وبعيد عن الاحتمال أن يكون هذا فهم فرعون وإدراكه . وبعيد أن يكون جادًا في البحث عن إله موسى على هذا النحو المادي الساذج . وقد بلغ فراعنة مصر من الثقافة حدًا يبعد معه هذا التصور . إنما هو الاستهتار والسخرية من جهة . والتظاهر بالإنصاف والتثبت من جهة أخرى . وربما كانت هذه خطة للتراجع أمام مطارق المنطق المؤمن في حديث الرجل المؤمن! وكل هذه الفروض تدل على إصراره على ضلاله ، وتبجحه في جحوده: { وكذلك زين لفرعون سوء عمله ، وصد عن السبيل } . . وهو مستحق لأن يصد عن السبيل ، بهذا المراء الذي يميل عن الاستقامة وينحرف عن السبيل .
ويعقب السياق على هذا المكر والكيد بأنه صائر إلى الخيبة والدمار:
{ وما كيد فرعون إلا في تباب } . .
وأمام هذه المراوغة ، وهذا الاستهتار ، وهذا الإصرار ألقى الرجل المؤمن كلمته الأخيرة مدوية صريحة ، بعدما دعا القوم إلى اتباعه في الطريق إلى الله ، وهو طريق الرشاد .
جاء في سورة البقرة: (وقال لهم نبيهم إن الله قد بعث لكم طالوت ملكًا.. (إلخ(1) .
وهذه القصة هى قصة طالوت وداود لما فتحا فلسطين.
ووجه الإشكال أنه قال فيها: إن الله امتحن جيش طالوت بالشرب من النهر. والامتحان لم يكن لجيش طالوت وإنما كان لجيش جدعون وهو يحارب أهل مدين [قضاة 7: 1ـ8] .
الرد على الشبهة:
إن سفر القضاة سفر تاريخى ، وسفر صموئيل الأول الذى أورد قصة طالوت وداود سفر تاريخى. فأى مانع يمنع من خطأ المؤرخ في نقل جزء من قصة إلى قصة أخرى مشابهة لها. خاصة وأنه ليس معصومًا كالنبيين والمرسلين الحقيقيين ؟
ولهذا أمثلة كثيرة منها أن هذا النص مذكور مرتين: مرة في سفر الخروج ، ومرة في سفر التثنية من التوراة السامرية. ومذكور مرة واحدة في سفر التثنية من التوراة العبرانية واليونانية. وهو:"نبيًّا أقمت لهم من حملة إخوتهم مثلك وجعلت خطابى بغيه ؛ فيخاطبهم بكل ما أوصيه به."
ويكون الرجل الذى لا يسمع من خطابه الذى يخاطب باسمى ؛ أنا أطالبه. والمتنبئ الذى يتقح على الخطاب باسمى ما لم أوصه من الخطاب ، ومن يخاطب باسم آلهة أخرى ؛ فليقتل ذلك المتنبئ. وإذ تقول في سرك: كيف يتبين الأمر الذى لم يخاطبه الله ؟ ما يقوله المتنبئ باسم اللهو لا يكون ذلك الأمر ولا يأتى ؛ هو الأمر الذى لم يقله الله. باتّقاح قاله المتنبئ. لا تخف منه"."