فهرس الكتاب
- 📄
- 📄
1 ـ لا ينكر أحد أن الشعوب الإسلامية في عصرنا الحاضر متفرقة ومتنازعة فيما بينها ، فهذا واقع ملموس لا يحتاج إلى برهان . ولكن هذا يُعد مرحلة في تاريخ المسلمين شأنهم في ذلك شأن بقية الشعوب والأمم الأخرى . ولا يعنى ذلك أنهم سيظلون كذلك إلى الأبد. وكما استطاعت الشعوب الأوروبية أن تتغلب على عوامل الفرقة والتنازع فيما بينها والتى أدت إلى حربين عالميتين شهدهما القرن العشرون ـ فإن الشعوب الإسلامية سوف تستطيع في مستقبل الأيام أن تتغلب أيضًا على عوامل الفرقة فيما بينها ، والبحث عن صيغة ملائمة للتعاون المثمر من أجل مصلحة المجتمعات الإسلامية كلها .
وهناك محاولات مستمرة في هذا الصدد وإن كانت بطيئة وذات تأثير محدود ومتواضع مثل منظمة المؤتمر الإسلامى التى تضم كل الدول الإسلامية ، إلا أنه يمكن تطوير العمل في هذه المنظمة وغيرها من منظمات إسلامية أخرى للوصول بها إلى مرحلة متقدمة من التعاون الأوثق . وللأمة الإسلامية في تعاليم الإسلام في الوحدة والتعاون والتآلف والتكافل أعظم سند يضمن لها نجاح هذه المحاولات في مستقبل الأيام .
2 ـ فالإسلام في مصادره الأصلية يدعو إلى الوحدة والتضامن ويحذر من الفرقة والتنازع ( واعتصموا بحبل الله جميعًا ولا تفرقوا ) (1) ، ويدعو إلى الشعور بآلام الآخرين والمشاركة في تخفيفها ، ويجعل الأمة كلها مثل الجسد الواحد ـ كما يقول النبى صلى الله عليه وسلم ـ [ إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الأعضاء بالسهر والحمى ] (2) . ويعتبر الإسلام رابطة العقيدة بمنزلة رابطة الأخوة: ( إنما المؤمنون إخوة ) (3) . وحينما هاجر النبى - صلى الله عليه وسلم - إلى المدينة آخى بين المهاجرين والأنصار ، فأصبحوا إخوة متحابين متضامنين في البأساء والضراء . وآيات القرآن وأحاديث النبى - صلى الله عليه وسلم - في ذلك أكثر من أن تحصى .
3 ـ هناك أسباب خارجية كثيرة أدت إلى الانقسام والفرقة بين المسلمين في العصر الحديث . وترجع هذه الأسباب في قدر كبير منها إلى الفترة التى هيمن فيها الاستعمار على بلاد العالم الإسلامى . وعندما رحل ترك مشكلات عديدة كان هو سببًا فيها مثل مشكلات الحدود ، وكانت القاعدة التى على أساسها خطط لسياساته هى مبدأ:"فَرِّق تَسُد". ومن هنا عمل على إحياء العصبيات العرقية بين شعوب البلاد المستعمَرة . وقام بنهب خيرات هذه البلاد ، وأدى ذلك إلى إفقارها وتخلفها الحضارى الذى لا تزال آثاره باقية حتى اليوم . ولا تزال معظم شعوب العالم الإسلامى تعانى من المشكلات التى خلفها الاستعمار .
4 ـ انشغل المسلمون بالمشكلات الكثيرة التى خلفها الاستعمار وغفلوا عن تعاليم الإسلام في الوحدة والتضامن .
ولكن الشعوب الإسلامية لا تزال تحن إلى وحدة جهودها ، وتضامنها فيما بينها ، وتجميع قواها في سبيل الخير لهذه الشعوب جميعها . ولا يزال المسلم في أى بلد إسلامى يشعر بآلام المسلمين فىمناطق العالم المختلفة بوصفه جزءًا من الأمة الإسلامية . وهذا من شأنه أن يعمل على توفير أساس راسخ لمحاولات إعادة التضامن والوحدة بين أقطار العالم الإسلامى ، بمعنى توحيد الجهود والتكامل فيما بينها في ميادين الثقافة والاقتصاد والسياسة والأمن ، وتبادل الخبرات والمنافع ، وكل ما يعود على المسلمين بالخير ، مما يجعلهم أقدر على القيام بدور فعّال في ترسيخ قواعد السلام والأمن في العالم كله .
(1) آل عمران: 103.
(2) رواه الإمام مسلم وغيره (راجع: فيض القدير ج5 ص 514 وما بعدها) .
(3) الحجرات: 10.
الرد على الشبهة:
1 ـ حقائق التاريخ تبين بما لا يدع مجالًا للشك أن الإسلام قد استطاع بعد فترة زمنية قصيرة من ظهوه أن يقيم حضارة رائعة كانت من أطول الحضارات عمرًا في التاريخ . ولا تزال الشواهد على ذلك ماثلة للعيان فيما خلفه المسلمون من علم غزير في شتى مجالات العلوم والفنون ، وتضم مكتبات العالم آلافًا مؤلفة من المخطوطات العربية الإسلامية تبرهن على مدى ما وصل إليه المسلمون من حضارة عريقة . يضاف إلى ذلك الآثار الإسلامية المنتشرة في كل العالم الإسلامى والتى تشهد على عظمة ما وصلت إليه الفنون الإسلامية .
وحضارة المسلمين في الأندلس وما تبقى من معالمها حتى يومنا هذا شاهد على ذلك في أوروبا نفسها . وقد قامت أوروبا بحركة ترجمة نشطة في القرنين الثانى عشر والثالث عشر لعلوم المسلمين . وكان ذلك هو الأساس الذى بنت عليه أوروبا حضارتها الحديثة .