فهرس الكتاب

الصفحة 1885 من 4557

وأقول: الذي يدل عليه أنه تعالى ابتدأ بالوعظ، ثم ترقى منه إلى الهجران في المضاجع، ثم ترقى منه إلى الضرب، وذلك تنبيه يجري مجرى التصريح في أنه مهما حصل الغرض بالطريق الاخف وجب الاكتفاء به، ولم يجز الإقدام على الطريق الأشق والله أعلم.

المسألة الثانية: اختلف أصحابنا قال بعضهم: حكم هذه الآية مشروع على الترتيب، فان ظاهر اللفظ وإن دل على الجمع إلا أن فحوى الآية يدل على الترتيب، قال أمير المؤمنين علي بن أبي طالب رضي الله تعالى عنه: يعظها بلسانه، فإن انتهت فلا سبيل له عليها، فإن أبت هجر مضجعها، فإن أبت ضربها، فان لم تتعظ بالضرب بعث الحكمين. وقال بعض أصحابنا: تحرير المذهب أن له عند خوف النشوز أن يعظها، وهل له أن يهجرها؟ فيه احتمال، وله عند إبداء النشوز أن يعظها أو يهجرها، أو يضربها.

ثم قال تعالى: { فَإِنْ أَطَعْنَكُمْ } أي إذا رجعن عن النشوز إلى الطاعة عند هذا التأديب { فَلاَ تَبْغُواْ عَلَيْهِنَّ سَبِيلًا } أي لا تطلبوا عليهن الضرب والهجران طريقًا على سبيل التعنت والايذاء { إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيًّا كَبِيرًا } وعلوه لا بعلو الجهة، وكبره لا بكبر الجثة، بل هو علي كبير لكمال قدرته ونفاذ مشيئته في كل الممكنات. وذكر هاتين الصفتين في هذا الموضع في غاية الحسن، وبيانه من وجوه:

الأول: أن المقصود منه تهديد الأزواج على ظلم النسوان، والمعنى أنهن ضعفن عن دفع ظلمكم وعجزن عن الانتصاف منكم، فالله سبحانه علي قاهر كبير قادر ينتصف لهن منكم ويستوفي حقهن منكم، فلا ينبغي أن تغتروا بكونكم أعلى يدًا منهن، وأكبر درجة منهن.

الثاني: لا تبغوا عليهن إذا أطعنكم لعلو أيديكم. فإن الله أعلى منكم وأكبر من كل شيء، وهو متعال عن أن يكلف إلا بالحق.

الثالث: أنه تعالى مع علوه وكبريائه لا يكلفكم إلا ما تطيقون، فكذلك لا تكلفوهن محبتكم، فإنهن لا يقدرن على ذلك.

الرابع: أنه مع علوه وكبرئايه لا يؤاخذ العاصي إذا تاب، بل يغفر له، فإذا تابت المرأة عن نشوزها فأنتم أولى بأن تقبلوا توبتها وتتركوا معاقبتها.

الخامس: أنه تعالى مع علوه وكبرئايه اكتفى من العبد بالظواهر، ولم يهتك السرائر، فأنتم أولى أن تكتفوا بظاهر حال المرأة، وأن لا تقعوا في التفتيش عما في قلبها وضميرها من الحب والبغض.

لَا تَقْرَبُوا الصَّلَاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى حَتَّى تَعْلَمُوا مَا تَقُولُونَ ; (آية 43) .

روى أبو داود عن علي قال: صنع لنا عبد الرحمن بن عوف طعامًا، فدعانا وسقانا من الخمر فأخذت الخمر منا. وحضرت الصلاة فقدَّموني (والقول لعلي) إمامًا فقرأت قل يا أيها الكافرون نحن نعبد ما تعبدون فبلغ ذلك محمدًا فقال إن الله أنزل عليه لا تقربوا الصلاة وأنتم سُكارى (أسباب النزول للسيوطي سبب نزول النساء 4: 43) .

وهذا القول لا يصل إلى درجة الوحي، فهو مجرد خبر. ولنفرض أن جاءك أُناس وقالوا: لقد ذهبنا للعمل ونحن سكارى فتشاجرنا مع رؤسائنا، فقلتَ لهم لا تذهبوا للعمل وأنتم سكارى حتى تعلموا ما تفعلون. فهل هذا وحي؟

أراد الله عز وجل أن يصلنا به وصل العبادية التي تجعلنا نعلن والولاء لله في كل يوم ، خمس مرات ، وسبحانه يريدنا أن نُقبل عليه بجماع عقولنا وفكرنا وروحنا بحيث لا يغيب منا شيء .

هو سبحانه يقول (( لا تقربوا الصلاة وأنتم سكارى ) )ولم يقل: لا تصلوا وأنتم سكارى ؟ أي لا تقاربوا الصلاة ولا تقوموا إليها واجتنبوها ، وفيه إشارة إلى ترك المسكرات ، فما معنى (( لا تقربوا الصلاة وأنتم سكارى )

معنى ذلك أنهم إذا كانوا لا يقربون الصلاة إذا ما شربوا الخمر ، فيكون تحريم المسكرات لم يأت به التشريع بعد ، فقد مر هذا الأمر على مراحل ، لأن الدين حينما جاء ليواجه أمة كانت على فترة من الرسل أي بعدت صلتها بالرسل ، فيجيء إلى أمر العقائد فيتكلم فيها كلامًا حاسمًا باتَّا لا مرحلية فيه ، فالإيمان بإله واحد وعدم الشرك بالله هذه أمور ليس فيها مراحل ، ولا هوادة فيها .

ولكن المسائل التي تتعلق بإلف العادة ، فقد جاءت الأوامر فيها مرحلية .

فلا نقسر ولا نكره العادة على غير معتادها بل نحاول أن نتدرج في المسائل الخاضعة للعادة ما دام هناك شيء يقود إلى التعود .

إن الله سبحانه وتعالى من رحمته بمن يشرع لهم جعل في مسائل العادة والرتابة مرحليات ، فهذه مرحلة من المراحل: (( لا تقربوا الصلاة وأنتم سكارى ) )، والصلاة هي: الأقوال والأفعال المعرفة المبدوءة بالتكبير والمنتهية بالتسليم بشرائطها الخاصة ، هذه هي الصلاة ، اصطلاحيًا في الإسلام وإن كانت الصلاة في المعنى اللغوي العام هو مطلق الدعاء .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت