على أن النبي صلى الله عليه وسلم قَبِلَ أن يخرج من المدينة ويلحق بمكة من كره الإسلام ، وذلك في معاهدة الحديبية ، وما نعلم أحدًا ارتد عن دينه ، ولا نعرف شخصًا طبيعيًا فضل الشرك على التوحيد ، أو أهواء الأرض على شريعة السماء؟!
إلا ما ورد عن جبلة بن الأيهم الذي كره أن يقتص منه لما لطم رجلًا من العامة ، وقال: كيف وأنا أمير وهو سوقة؟ فلما قال له أمير المؤمنين: إن الإسلام سوى بينكما ، احتال حتى خرج من سلطان الإسلام ، ولحق بالروم متنصرًا ، وهذا الأرعن لم يفعل ذلك لأن التثليث أرجح في نفسه من التوحيد ، ولكنها حمية غبية أفقدته الرشد وأضلته عن سواء السبيل.
ويروون عنه أنه راجع أمره وذكر ما كان منه وقال:
تنصرت الأشراف من عار لطمة وما كان فيها لو صبرت لها ضرر
تكنفني منها لجاج وغيره وبعت لها العين الصحيحة بالعور
فيا ليت أمي لم تلدني وليتني رجعت إلى الأمر الذي قال عمر
ونلفت النظر إلى أن قوى كثيرة تعمل الآن لنهش الكيان الإسلامي ، وتوهين عراه ، وإثارة لغط مفتعل حول شعب الإيمان كله ، أعلاها وأدناها.
وعلى المسلمين أن يدفعوا عن دينهم بالوسائل المشروعة كلها ، يُثبتون القلق ، ويقتلون الخائن ، ويحيون في جو من الوضوح والإخلاص.
إن سرقة العقائد والأخلاق أصبحت حرفة لعصابات من المنصِّرين الذين يكرهون الإسلام وكتابه ونبيه صلى الله عليه وسلم ويبعثرون أسباب الفتنة في كل ناحية حتى يقلبوا المجتمع كله رأسًا على عقب.
ومن حق المسؤولين عن هذه الأمة المظلومة أن يحموا عقائدها وشرائعها ويردوا عنها كيد المتربصين ، ومؤامرات الحاقدين.
ويجب أن نتشبث بحدود الإسلام كلها ، مدركين أن الصحة العقلية والاجتماعية في إقامتها ، وكما جاء في الحديث الشريف: (لَحَدٌّ يقام في الأرض بحقه أبرك لها من أن تمطر أربعين صباحًا) .
إن الغيث يحيي ما مات من الأرض ، ولكن الحدود تحيي ما مات من الأخلاق ، وتمنع أوبئة الفساد من الإتيان على الأمم ، وتدمير حاضرها ومستقبلها.
الرد على الشبهة:
1 ـ لم يكن الإسلام أول الأديان التى حرمت أكل لحم الخنزير. فالديانة اليهودية تحرِّم أكل لحم الخنزير. ولا يوجد حتى الآن يهودى في أوروبا وأمريكا يأكل لحم الخنزير إلا فيما ندر. ولم يعب أحد على اليهود ذلك ، بل يحترم الغرب العادات الدينية لليهود. وعندما جاء السيد المسيح ـ عليه السلام ـ صرح ـ كما جاء في الإنجيل ـ بأنه لم يأت لينقض الناموس بل ليكمله ، أى أنه لم يأت ليغير التشريعات اليهودية. ومن بينها بطبيعة الحال تحريم أكل لحم الخنزير. والأمر المنطقى بناء على ذلك أن يكون الخنزير محرمًا في المسيحية أيضًا (1) .
2 ـ عندما جاء الإسلام حرّم أيضًا أكل لحم الخنزير. وهذا التحريم امتداد لتحريمه في الديانات السماوية السابقة. وقد نص القرآن الكريم عليه صراحة في أربعة مواضع (2) . وهناك من ناحية أخرى ـ بجانب هذا التحريم الدينى ـ أسباب ومبررات أخرى تؤكد هذا التحريم. ومن ذلك ما أثبته العلماء المسلمون من أن أكل لحم الخنزير ضار بالصحة ولا سيما في المناطق الحارة. وفضلًا عن ذلك فإن الآيات القرآنية التى ورد فيها تحريم لحم الخنزير قد جمعت هذا التحريم مع تحريم أكل الميتة والدم. وضرر أكل الميتة والدم محقق لما يتجمع فيهما من ميكروبات ومواد ضارة ، مما يدل على أن الضرر ينسحب أيضًا على أكل لحم الخنزير.
وإذا كانت الوسائل الحديثة قد تغلبت على ما في لحم الخنزير ودمه وأمعائه من ديدان شديدة الخطورة (الدودة الشريطية وبويضاتها المتكلسة) فمن الذى يضمن لنا بأنه ليست هناك آفات أخرى في لحم الخنزير لم يكشف عنها بعد ؟ فقد احتاج الإنسان قرونًا طويلة ليكشف لنا عن آفة واحدة. والله الذى خلق الإنسان أدرى به ويعلم ما يضره وما ينفعه. ويؤكد لنا القرآن هذه الحقيقة في قوله: (وفوق كل ذى علم عليم ) (3) .
3 ـ يحسب الإسلام حساب الضرورات فيبيح فيها المحرمات. وفى ذلك قاعدة مشهورة تقول:"الضرورات تبيح المحظورات". ومن هنا فإن المسلم إذا ألجأته الضرورة الملحة ـ التى يخشى منها على حياته ـ لتناول الأطعمة المحرمة ومنها الخنزير فلا حرج عليه. كما يشير إلى ذلك القرآن الكريم: (فمن اضطر غير باغ ولا عاد فلا إثم عليه ) (4) . ولكن هذه الإباحة لا يجوز أن تتعدى حدود تلك الضرورة وإلا كان المسلم آثمًا.
(1) راجع: الحلال والحرام للدكتور القرضاوى ص42 ـ قطر 1978م.
(2) البقرة: 173 ، والمائدة: 3 ، والأنعام: 145 ، والنحل: 115
(3) يوسف: 76.
(4) البقرة: 173.
الرد على الشبهة:
إن الدارس للإسلام وأحكامه يدرك حقائق أساسية لتشريع الحدود في الإسلام نحاول أن نشير إلى بعضها بإيجاز:
أولًا: الحدود في الإسلام إنما هى زواجر تمنع الإنسان المذنب أن يعود إلى هذه الجريمة مرة أخرى.