فهرس الكتاب
- 📄
- 📄
الثامن: أنه قد تقدم الكلام على المؤاخاة، وأن فيها عمومًا وإطلاقًا يقتضي الأفضلية والإمامة، وأن ما ثبت للصدِّيق من الفضيلة لا يشركه غيره، كقوله: «لو كنت متخذًا خليلًا من أهل الأرض لاتخذت أبا بكر خليلًا» ، وإخباره: أن أحب الرجال إليه أبو بكر، وشهادة الصحابة له أحبهم إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، وغير ذلك مما يبيّن أن الاستدلال بما روي من المؤاخاة باطل نقلًا ودلالة.
التاسع: أن من الناس من يظن أن المؤاخاة وقعت بين المهاجرين بعضهم مع بعض، لأنه روي فيها أحاديث، لكن الصواب المقطوع به هذا لم يكن، وكل ما روي في ذلك فإنه باطل: إما أن يكون من رواية يتعمد الكذب، وإما أن يكون أخطأ فيه، ولهذا لم يخرِّج أهل الصحيح شيئًا من ذلك.
والذي في الصحيح إنما هو المؤاخاة بين المهاجرين والأنصار. معلوم أنه لو آخى بين المهاجرين بعضهم مع بعض، وبين الأنصار بعضهم مع بعض، لكان هذا مما تتوفر الهمم والدواعي على نقله، إذ كان يذكر في أحاديث المؤاخاة، ويذكر كثيرًا، فكيف وليس في هذا حديث صحيح، ولا خرّج أهل الصحيح من ذلك شيئًا.
وهذه الأمور يعرفها من كان له خبرة بالأحاديث الصحيحة والسيرة المتواترة، وأحوال النبي صلى الله عليه وسلم، وسبب المؤاخاة وفائدتها ومقصودها، وأنهم كانوا يتوارثون بذلك، فآخى النبي صلى الله عليه وسلم بين المهاجرين والأنصار، كما آخى بين سعد بن الربيع وعبد الرحمن بن عوف، وبين سلمان الفارسي وأبي الدرداء، ليعقد الصلة بين المهاجرين والأنصار، حتى أنزل الله تعالى: {وَأُوْلُواْ الأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ فِي كِتَابِ اللهِ} [سورة الأنفال: 75] وهي المحالفة التي أنزل الله فيها: {وَالَّذِينَ عَقَدَتْ أَيْمَانُكُمْ فَآتُوهُمْ نَصِيبَهُمْ} [سورة النساء: 33] .
وقد تنازع الفقهاء: هل هي محكمة يورث بها عند عدم النسب أو لا يورث بها؟ على قولين، هما روايتان عن أحمد، الأول: مذهب أبي حنيفة. والثاني: مذهب مالك والشافعي.
( المرجع: منهاج السنة لشيخ الإسلام ابن تيمية ، 7 / 359-364) .
قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله:
قال الرافضي: السابع: ما رواه الجمهور كافة أن النبي صلى الله عليه وسلم لما حاصر خيبر تسعًا وعشرين ليلة، وكانت الراية لأمير المؤمنين عليّ، فلحقه رمد أعجزه عن الحرب، وخرج مرحب يتعرض للحرب، فدعا رسول الله صلى الله عليه وسلم أبا بكر، فقال له:"خذ الراية، فأخذها في جمع من المهاجرين، [فاجتهد] ولم يغن شيئًا، ورجع منهزمًا، فلما كان من الغد تعرَّض لها عمر، فسار غير بعيد، ثم رجع يخبر أصحابه، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: جيئوني بعليّ، فقيل: إنه أرمد، فقال: أرونيه، أروني رجلًا يحب الله ورسوله، ويحبه الله ورسوله، ليس بفرَّار، فجاءوا بعليّ، فتفل في يده ومسحها على عينيه ورأسه فبرئ، فأعطاه الراية، ففتح الله على يديه، وقتل مرحبًا. ووَصْفُهُ عليه السلام بهذا الوصف يدل على انتفائه عن غيره، وهو يدل على أفضليته، فيكون هو الإمام»."
والجواب من وجوه: أحدها: المطالبة بتصحيح النقل. وأما قوله: «رواه الجمهور» فإن الثقات الذين رووه لم يرووه هكذا، بل الذي في الصحيح أن عليًّا كان غائبًا عن خيبر، لم يكن حاضرًا فيها، تخلَّف عن الغزاة لأنه كان أرمد. ثم إنه شقَّ عليه التخلف عن النبي صلى الله عليه وسلم، فلحقه صلى الله عليه وسلم، فلحقه، فقال النبي صلى الله عليه وسلم قبل قدومه: «لأعطين الراية رجلًا يحب الله ورسوله، ويحبه الله ورسوله، يفتح الله على يديه» . ولم تكن الراية قبل ذلك لأبي بكر ولا لعمر، ولا قربها واحدٌ منهما، بل هذا من الأكاذيب. ولهذا قال عمر: «فما أحببت الإمارة إلا يومئذ، وبات الناس كلهم يرجون أن يعطاها، فلما أصبح دعا عليًّا» فقيل له: إنه أرمد، فجاءه فتفل في عينيه حتى برأ، فأعطاه الراية».
وكان هذا التخصيص جزاء مجيء عليّ مع الرمد، وكان إخبار النبي صلى الله عليه وسلم بذلك وعليّ ليس بحاضر لا يرجونه من كراماته صلى الله عليه وسلم، فليس في الحديث تنقيص بأبي بكر وعمر أصلًا.
الثاني: أن إخباره أن عليًّا يحب الله ورسوله ويحبه الله ورسوله حق، وفيه ردٌّ على النواصب. لكن الرافضة الذين يقولون: إن الصحابة ارتدُّوا بعد موته لا يمكنهم الاستدلال بهذا، لأن الخوارج تقول لهم: هو ممن ارتد أيضًا، كما قالوا لمَّا حكم الحكمين: إنك قد ارتددت عن الإسلام فعد إليه.
قال الأشعري في كتاب «المقالات» : «أجمعت الخوارج على كفر عليّ» .
وأما أهل السنة فيمكنهم الاستدلال على بطلان قول الخوارج بأدلة كثيرة، لكنها مشتركة تدل على إيمان الثلاثة، والرافضة تقدح فيها، فلا يمكنهم إقامة دليل على الخوارج عَلَى أن عليًّا مات مؤمنًا، بل أيّ دليل ذكروه قَدَح فيه ما يبطله على أصلهم، لأن أصلهم فاسد.