فهرس الكتاب
- 📄
- 📄
وليس هذا الوصف من خصائص عليّ، بل غيره يحب الله ورسوله ويحبه الله ورسوله، لكن فيه الشهادة لعينه بذلك، كما شهد لأعيان للعشرة بالجنة، وكما شهد لثابت بن قيس بالجنة، وشهد لعبد الله حمار أنه يحب الله ورسوله، وقد كان ضربه في الحد مرات.
وقول القائل: «إن هذا يدل على انتفاء هذا الوصف عن غيره» .
فيه جوابان: أحدهما: أنه إن سلَّم ذلك، فإنه قال: «لأعطين الراية رجلًا يحب الله ورسوله ويحبه الله ورسوله، يفتح الله على يديه» ، فهذا المجموع اختصّ به، وهو أن ذلك الفتح كان على يديه، ولا يلزم إذا كان ذلك الفتح المعيّن على يديه أن يكون أفضل من غيره، فضلًا عن أن يكون مختصًا بالإمامة.
الثاني: أن يقال: لا نسلِّم أن هذا يوجب التخصيص. كما لو قيل: لأعطين هذا المال رجلًا فقيرًا، أو رجلًا صالحًا، ولأدعون اليوم رجلًا مريضًا صالحًا، أو لأعطين هذه الراية رجلًا شجاعًا، ونحو ذلك - لم يكن في هذه الألفاظ ما يوجب أن تلك الصفة لا توجد إلا في واحد، بل هذا يدل على أن ذلك الواحد موصوف بذلك.
ولهذا لو نذر أن يتصدَّق بألف درهم على رجل صالح أو فقير، فأعطى هذا المنذور لواحدٍ، لم يلزم أن يكون غيره ليس كذلك. ولو قال: أعطوا هذا المال لرجلٍ قد حجَّ عني، فأعطوه رجلًا، لم يلزم أن غيره لم يحج عنه.
الثالث: أنه لو قُدِّر ثبوت أفضليته في ذلك الوقت، فلا يدل ذلك على أن غيره لم يكن أفضل منه بعد ذلك.
الرابع: أنه لو قدَّرنا أفضليته، لم يدل ذلك على أنه إمام معصوم منصوص عليه، بل كثير من الشيعة الزيدية ومتأخري المعتزلة وغيرهم يعتقدون أفضليته، وأن الإمام هو أبو بكر، وتجوز عندهم ولاية المفضول. وهذا مما يجوّزه كثير من غيرهم، ممن يتوقف في تفضيله بعض الأربعة على بعض، أو ممن يرى أن هذه المسألة ظنّية لا يقوم فيها دليل قاطع على فضيلة واحدٍ معيّن، فإنّ من لم يكن له خبرة بالسنة الصحيحة قد يشك في ذلك.
وأما أئمة المسلمين المشهورون فكلهم متفقون على أن أبا بكر وعمر أفضل من عثمان وعليّ. ونقل هذا الإجماع غيرُ واحد، كما روى البيهقي في كتاب «مناقب الشافعي» [مسنده عن الشافعي] ، قال: «ما اختلف أحد من الصحابة والتابعين في تفضيل أبي بكر وعمر، وتقديمهما على جميع الصحابة» .
وروى مالك عن نافع عن ابن عمر قال: «كنا نفاضل على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم، فنقول: خير الناس بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم أبو بكر ثم عمر» .
وقد تقدم نقل البخاري عن عليّ هذا الكلام.
والشيعة الذين صحبوا عليًّا كانوا يقولون ذلك، وتواتر ذلك عن عليّ من نحو ثمانين وجهًا. وهذا مما يقطع به أهل العلم، ليس هذا مما يخفى على من كان عارفًا بأحوال الرسول والخلفاء.
( المرجع: منهاج السنة لشيخ الإسلام ابن تيمية ، 7 / 364-369) .
الشبهة (27) : احتجاجهم بحديث"إن عليًا مني وأنا منه"
قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله:
قال الرافضي: التاسع: ما رواه الجمهور:"أنه أمر الصحابة بأن يسلّموا عَلَى عليّ بإمرة المؤمنين، وقال: إنه سيد المسلمين، وإمام المتّقين، وقائد الغرّ المحجّلين. وقال: هذا وليّ كل مؤمن بعدي. وقال في حقّه: إن عليًّا مني وأنا منه، أولى بكل مؤمن ومؤمنة، فيكون عليّ وحده هو الإمام لذلك. وهذه نصوص في الباب»."
والجواب من وجوه:
أحدها: المطالبة بإسناده وبيان صحته، وهو لم يعزه إلى كتاب على عادته. فأما قوله: «رواه الجمهور» فكذب، فليس هذا في كتب الأحاديث المعروفة: لا الصحاح، ولا المساند، ولا السنن وغير ذلك فإن كان رواه بعض حاطبي الليل كما يُروى أمثاله، فعِلْم مثل هذا ليس بحجة يجب إتباعها باتفاق المسلمين.
والله تعالى قد حرّم علينا الكذب، وأن نقول عليه ما لا نعلم. وقد تواتر عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «من كَذَب عليَّ متعمدًا فليتبوأ مقعده من النار» .
الوجه الثاني: أن هذا كذب موضوع باتفاق أهل المعرفة بالحديث، وكل من له أدنى معرفة بالحديث يعلم أن هذا كذب موضوع لم يروه أحد من أهل العلم بالحديث في كتاب يعتمد عليه: لا الصحاح، ولا السنن ولا المساند المقبولة.
الثالث: أن هذا مما لا يجوز نسبته إلى النبي صلى الله عليه وسلم، فإن قائل هذا كاذب، والنبي صلى الله عليه وسلم منزّه عن الكذب. وذلك أن سيد المسلمين، وإمام المتقين، وقائد الغرّ المحجلين هو رسول الله صلى الله عليه وسلم باتفاق المسلمين.
فإن قيل: عليّ هو سيدهم بعده.
قيل: ليس في لفظ الحديث ما يدل على هذا [التأويل] ، بل هو يناقض لهذا؛ لأن أفضل المسلمين المتّقين المحجّلين هم القرن الأول، ولم يكن لهم على عهد النبي صلى الله عليه وسلم سيد ولا إمام ولا قائد غيره، فكيف يخبر عن شيء بعد أن لم يحضر، ويترك الخبر عمّا هم أحوج إليه، وهو حكمهم في الحال؟
ثم القائد يوم القيامة هو رسول الله صلى الله عليه وسلم، فمن يقود عليّ؟
وأيضًا فعند الشيعة جمهور المسلمين المحجّلين كفّار أو فسّاق، فلمن يقود؟