فهرس الكتاب
- 📄
- 📄
إن ما جاء في القرآن ، ولم يجئ في التوراة ؛ لا يدل على إيراد شبهة على القرآن ، وذلك لأن نسخ التوراة الثلاثة العبرانية واليونانية والسامرية لا تتفق على القصة اتفاقًا تامًّا. ففى اليونانية صواع الملك. وليس في العبرانية صواع الملك. ففى التوراة العبرانية ترجمة البروتستانت:"ولما كانوا قد خرجوا من المدينة ولم يبتعدوا ؛ قال يوسف للذى على بيته: قم اسع وراء الرجال ، ومتى أدركتهم فقل لهم:"لماذا جازيتم شرًّا عوضًا عن خير ؟ أليس هذا هو الذى يشرب سيدى فيه. وهو يتفاءل به ؟ أسأتم فيما صنعتم" [تك 24: 4ـ5] وفى الكتاب المقدس ترجمة 1993م بلبنان الصادر عن دار الكتاب المقدس في الشرق الأوسط:"فما أن خرجوا من المدينة ، وابتعدوا قليلًا حتى قال يوسف لوكيل بيته: قم اتبع هؤلاء الرجال. فإذا لحقت بهم فقل لهم: لماذا كافأتم الخير بالشر ؟ لماذا سرقتم كأس الفضة التى يشرب بها سيدى. وبها يرى أحوال الغيب ؟ أسأتم فيما فعلتم"."
فكأس الفضة في نسخة ، وهو غير موجود في نسخ أخرى.
إنه جاء في سورة يوسف أن امرأة العزيز هيأت وليمة لبعض السيدات وأنهن قطعن أيديهن. وهذا غير معقول.
الرد على الشبهة:
كانت دعوة موسى ـ عليه السلام ـ في الأصل عالمية لليهود وللأمم. وكان فيها الدعوة إلى حميد الصفات. وكان فيها عدم احتقار اليهودى للأممى ، وعدم التعدى على أمواله وحرماته. وكان فيها الحث على دعوة الأممى إلى معرفة الله وعبادته. وفى زمان سبى بابل حَرَّف اليهود التوراة ، وامتنعوا عن دعوة الأمم إلى معرفة الله ، وأباح اليهود لأنفسهم أخذ الربا من الأميين ، والزنا بنسائهم ، وسفك دمائهم وما شابه ذلك من الصفات الذميمة. وكتبوا ما يدل على ذلك في التوراة ، وحذفوا من التوراة حال تحريفهم لها ما يمنعهم عن ظلم الأميين. ومن هذا الذى حذفوه: دعوة يوسف ـ عليه السلام ـ للمصريين الذين كانوا معه في السجن إلى عبادة الله تعالى وترك الآلهة المتعددة ، وحذف قول النسوة ليوسف: (ما هذا بشرًا إن هذا إلا ملك كريم ) (1) لأن هذا يتعارض مع تخليهم عن دعوة الأمم ، ويتعارض مع ما اتفقوا عليه من العبث بنسائهم. وألا يكن هذا صحيحًا. فما هذه الترهات المكتوبة في التوراة عن الأنبياء وغيرهم ؟ ففى التوراة أن لوطًا ـ عليه السلام ـ زنا بابنتيه [تك 19] وأن سليمان ـ عليه السلم ـ أحب نساء غريبة كثيرة مع بنت فرعون [الملوك الأول 11] .
وقال كاتب التوراة: إن سليمان ـ عليه السلام ـ هو ابن داود من زوجة أُورِيّا الحِثِّى. أى أنه تعدى على زوجة رجل من الأمم هو من قبيلة بنى حث وليس من اليهود. وإذا كان هذا هو المكتوب بغية التعدى على نساء الأمم ؛ فإن العقل لا يتصور أن يضع في التوراة عفة يوسف عن نساء الأمم. ولا يتصور العقل أن يكتب عن يوسف أنه فسر حلم الملك من قبل أن يخرج من السجن. لأنه لو كتب ذلك لكان معناه أن يوسف يحسن إلى من سيئ إليه. وهو يريد لليهود أن يسيئوا لمن يحسن ولمن لا يحسن.
وإن أصر مورد الشبهة على إيرادها. ففى نسخ التوراة زيادة ونقص ، وفى نسخ الإنجيل أيضًا. ومن أمثلة ذلك: المزمور المائة والحادى والخمسين ؛ فإنه في النسخة القبطية فقط.
الوسيط لسيد طنطاوي - (ج 1 / ص 2301)
قوله - سبحانه - { وَقَالَ نِسْوَةٌ فِي المدينة امرأة العزيز تُرَاوِدُ فَتَاهَا عَن نَّفْسِهِ . . } حكاية لما تناقلته الألسنة عن امرأة العزيز ، فقد جرت العادة بين النساء ، أن يتحدثن عن أمثال هذه الأمور في مجالسهن ، ولا يكتمنها خصوصا إذا كانت صاحبة الحادثة من نساء الطبقة المرموقة . . كامرأة العزيز .
والنسوة: اسم جمع لا واحد له من لفظه ، ومفرده حيث المعنى: امرأة .
والمراد بالمدينة: مدينة مصر التى كان يعيش فيها العزيز زوجته والجار والمجرور متعلق بمحذوف صفة لنسوة .
أى: وقال نسوة من نساء مدينة مصر - على سبيل النقد والتشهير والتعجب - إن امرأة العزيز ، صاحبة المكانة العالية ، والمنزلة الرفيعة ، بلغ بها الحال في انقيادها لهواها ، وفى خروجها عن طريق العفة . . أنها تراود فتاها عن نفسه ، أى: تطلب منه مواقعتها ، وتتخذ لبلوغ غرضها شتى الوسائل والحيل .
ولم يبين لنا القرآن الكريم عدد هؤلاء النسوة ولا صفاتهم ، لأنه لا يتعلق بذلك غرض نافع ، ولأن الذى يهدف إليه القرآن الكريم هو بيان ما حدث بين يوسف وامرأة العزيز ، قد شاع أمره بين عدد من النساء في مدينة كبيرة كمصر وفى وصفها بأنها { امرأة العزيز } زيادة في التشهير بها . فقد جرت العادة بين الناس ، بأن ما يتعلق بأصحاب المناصب الرفيعة من أحداث ، يكون أكثر انتشارا بينهم ، وأشد في النقد والتجريح .
والتعبير بالمضارع في قوله - سبحانه - { تُرَاوِدُ } يشعر بأنها كانت مستمرة على ذلك ، دون أن يمنعها منه افتضاح أمرها ، وقول زوجها لها { واستغفري لِذَنبِكِ إِنَّكِ كُنتِ مِنَ الخاطئين }