العالم الذي يصل فيه التعصب العنصري إلى صورته الوحشية في أمريكا وجنوب أفريقيا في القرن العشرين ، ما زال يحتاج إلى وحي الإسلام الذي سوى قبل ثلاثة عشر قرنًا في واقع الحياة لا في عالم المثل والأحلام بين الأسود والأبيض والأحمر ، لا فضل لأحد منهم على أحد إلا بالتقوى . ومنح العبيد السود: لا المساواة في الإنسانية فحسب ، بل أرفع ما يطمح إليه مسلم وهو ولاية أمر المسلمين ! يقول الرسول الكريم: اسمعوا وأطيعوا ولو استعمل عليكم عبد حبشي كأن رأسه زبيبة ، ما أقام فيكم كتاب الله تعالى" ( ) ."
والعالم الغارق في الاستعمار والاستعباد ، الذي يصل إلى درجة الوحشية ، ما يزال يحتاج إلى وحي الإسلام الذي حرم الاستعمار بقصد الاستغلال ، وعامل البلاد التي فتحها - بقصد نشر الدعوة - معاملة ما تزال في نظافتها وارتفاعها قمة لا تصل إليها أبصار الأقزام في أوروبا"المتحضرة". فيقرر عمر بن الخطاب ضرب ابن عمرو بن العاص ، ويكاد يضرب عَمرًا نفسه ، وهو القائد المظفر والحاكم المبجل ، لأن ابنه ضرب شابًا مصريًا قبطيًا بغير وجه حق !
والعالم الغارق في مفاسد الرأسمالية ، ما يزال يحتاج إلى نظام الإسلام الذي حرم الربا والاحتكار ، وهما الركنان اللذان تقوم عليهما الرأسمالية ، قبل القرن العشرين بثلاثة عشر من القرون !
والعالم الذي غشيته الشيوعية المادية الملحدة ما يزال يحتاج إلى نظام الإسلام الذي يحقق أقصى حد للعدالة الاجتماعية ، دون أن يحتاج إلى تجفيف المنابع الروحية في الإنسان ، ولا حصر عالمه في الميدان الضيق الذي تدركه الحواس ، ودون أن يحتاج إلى فرض عقيدته على الناس بالدكتاتورية ، إنما يقول لهم:"لا إكراه في الدين قد تبين الرشد من الغي".
والعالم المفزع من الحرب ما يزال يحتاج إلى قيام الإسلام ، لأن ذلك وحده هو سبيله الواقعي إلى السلام ، لفترة طويلة من الزمان .
كلا ! لم يستنفذ الإسلام أغراضه . وإن دوره في مستقبل البشرية لا يقل بحال عن دوره الهائل الذي أنار به وجه الأرض ، حينما كانت أوروبا ما تزال في عصر الظلمات . ( محمد قطب )
ربما كانت هذه الشبهة أخبث ما يلعب به الشيوعيون لزلزلة عقائد الشباب ! .. لو كان الإسلام صالحًا لكل عصر - كما يقول دعاته - لما أباح الرق .. وإن إباحته للرق .. وإن إباحته للرق لدليل قاطع على أن الإسلام قد جاء لفترة محدودة ، وأنه أدى مهمته وأصبح في ذمة التاريخ !
وإن الشباب المؤمن ذاته لتساوره بعض الشكوك ! كيف أباح الإسلام الرق ؟ هذا الدين الذي لا شك في نزوله من عند الله ، ولا شك في صدقه ، وفي أنه جاء لخير البشرية كلها في جميع أجيالها .. كيف أباح الرق ؟ الدين الذي قام على المساواة الكاملة . الذي رد الناس جميعًا إلى أصل واحد ، وعاملهم على أساس هذه المساواة في الأصل المشترك .. كيف جعل الرق جزءًا من نظامه وشرع له ؟ أَوَ يريد الله للناس أن ينقسموا أبدًا إلى سادة وعبيد ؟ أَوَ تلك مشيئته في الأرض ؟ أَوَ يرضى الله للمخلوق الذي أكرمه إذ قال:"ولقد كرمنا بني آدم"أن يصير طائفة منه سلعة تباع وتشترى كما كان الحال مع الرقيق ؟ وإذا كان الله لا يرضى بذلك ، فلماذا لم ينص كتابه الكريم صراحة على إلغاء الرق كما نص على تحريم الخمر والميسر والربا وغيرها مما كرهه الإسلام ؟
وإن الشباب المؤمن ليعلم أن الإسلام دين الحق ، ولكنه كإبراهيم:"قال: أولم تؤمن ؟ قال بلى ، ولكن ليطمئن قلبي !".
أما الشباب الذي أفسد الاستعمار عقله وعقائده ، فإنه لا يتلبث حتى يتبين حقيقة الأمر ، وإنما يميل به الهوى فيقرر دون مناقشة أن الإسلام نظام عتيق قد استنفد أغراضه !
وأما الشيوعيون خاصة فأصحاب دعاوى"علمية"مزيفة ، يتلقونها من سادتهم هناك ، فينتفشون بها عجبا ً، ويحسبون أنهم وقعوا على الحقيقة الأبدية الخالدة التي لا مراء فيها ولا جدال ، وهي المادية الجدلية ، التي تقسم الحياة البشرية إلى مراحل اقتصادية معينة لا معدى عنها ولا محيص . وهي الشيوعية الأولى ، والرق ، والإقطاع ، والرأسمالية ، والشيوعية الثانية ( وهي نهاية العالم ! ) وأن كل ما عرفته البشرية من عقائد ونظم وأفكار ، إنما كانت انعكاسًا للحالة الاقتصادية ، أو للطور الاقتصادي القائم حينئذ ، وأنها صالحة له ، متلائمة مع ظروفه ، ولكنها لا تصلح للمرحلة التالية التي تقوم على أساس اقتصادي جديد . وأنه - من ثم - لا يوجد نظام واحد يمكن أن يصلح لكل الأجيال . وإذا كان الإسلام قد جاء والعالم نهاية فترة الرق ومبادئ فترة الإقطاع ، فقد جاءت تشريعاته وعقائده ونظمه ملائمة لهذا القدر من التطور ، فاعترفت بالرق ، وأباحت الإقطاع ( ) ! ولم يكن في طوق الإسلام أن يسبق التطور الاقتصادي ، أو يبشر بنظام جديد لم تتهيأ بعد إمكانياته الاقتصادية ! لأن كارل ماركس قال إن هذا مستحيل !