فهرس الكتاب
- 📄
- 📄
ومن كذب بالقرآن المنقول بالتواتر ، الفاشي في مشارق أرض الإسلام ومغاربها ، جيلا بعد جيل ، حفظا وكتابة ، لا تختلف نسخه ، ولا تضطرب ولا تتعارض ، أنى له أن يثبت صحة الأناجيل التي يعتمد عليها ، والتي لم توجد مجرد إشارة لها ، فضلا عن أن توجد أعيانها ، قبل مضي نحو قرنين من وفاة المسيح ، على ما نقله نورتن عن إكهارن الجرمني ، ثم ما وقع في مطلع القرن الرابع بالنصارى من البلاء ، والهدم لكنائسهم ، وتحريق كتبهم ، ما يفقد الثقة بكتبهم التي وجدت بعد ذلك: فمتى وجدت ، وعند من كانت في فترة الاضطهاد والاستخفاء ، وكيف وصلت إلينا ، وكيف ، وكيف ... ، أسئلة كثيرة تدور حول هذه المعضلة ، فيما عبرت عنه دائرة المعارف البريطانية بقولها:
( ليس لدينا أية معرفة مؤكدة بالنسبة للكيفية التي تشكلت بموجبها قانونية الأناجيل الأربعة ، ولا بالمكان الذي تقرر فيه ذلك ) .
وأما الجهل بالمترجم الذي نقلها عن اللغة الأصلية التي كتبت بها ، وما مدى الثقة بعلمه ودينه وكفايته لهذه المهمة ، وكيف لنا أن نتأكد من أنه نقلها على وجهها ، فذلك لون آخر !!
[ يمكن مراجعة تفصيل ما أجملناه في هذا الجواب في: إظهار الحق ، للشيخ رحمة الله الهندي ، ومناظرة بين الإسلام والنصرانية ، للشيخ محمد جميل غازي وآخرين ]
والله يهدينا وإياكم إلى صراطه المستقيم .
الإسلام سؤال وجواب (www.islam-qa.com
هناك مَنْ يقيمون التناقض بين"العقل"و"النقل"، ويدعون أن الثقافة الإسلامية نقلية لا عقلية ، ويعتقدون أن جميع علماء الأمة بدون استثناء غير مؤهلين ، لأنهم اعتمدوا على النقل وليس التفكير..
وأنه يجب التفكير في كل أمور الدين ، الأصل قبل الفرع.. وإلغاء كل الأساسيات الموجودة التى تعتبرها الأمة من المسلمات ، والبحث من جديد عن الحقيقة ، معتمدين على العقل فقط.. (انتهى) .
الرد على الشبهة:
إن القول بالاعتماد على العقل فقط - أى دون النقل ، الذى هو الوحى الإلهى ، في بلاغه القرآنى وبيانه النبوى -.. واستخدام العقل وحده أداة لإعادة النظر في كل ما تعتبره الأمة من المسلمات.. هو قول يحتاج إلى ضبط.. وإلى تصويب.. ويمكن أن يتم ذلك من خلال إشارات إلى عدد من الحقائق:
أولاها: أن مقام العقل في الإسلام هو مكان عال وفريد ، ولا نظير له في الشرائع السابقة على الشريعة الإسلامية الخاتمة.. فالعقل في الإسلام هو مناط التكليف بكل فرائض وأحكام الإسلام.. أى شرط التدين بدين الإسلام.
وثانيتها: أن النقل الإسلامى - وخاصة معجزته القرآنية - هو معجزة عقلية ، قد ارتضت العقل حكمًا في فهمها وفى التصديق بها ، وفى التمييز بين المحكم والمتشابه في آياتها ، وأيضًا في تفسير هذه الآيات.. فليس للقرآن كهنوت يحتكر تفسيره ، وإنما هو ثمرة لنظر عقول العلماء المفسرين.. وعلى حين كانت معجزات الرسالات السابقة معجزات مادية ، تدهش العقول ، فتشلها عن التفكير والتعقل ، جاءت معجزة الإسلام - القرآن الكريم - معجزة عقلية ، تستنفر العقل كى يتعقل ويتفكر ويتدبر ، وتحتكم إليه باعتباره القاضى في تفسير آياتها.. فكان النقل الإسلامى سبيلًا لتنمية العقلانية الإسلامية.. وكان هذا التطور في طبيعة المعجزة متناسبًا ومتسقًا مع مرحلة النضج التى بلغتها الإنسانية ، ومع ختم السماء سلسلة الرسالات والوحى إلى الأنبياء والرسل وأمم الرسالات..
وثالثتها: أن العقل - في الإسلام - هو سبيل الإيمان بوجود الله ووحدانيته وصفاته.. لأن الإيمان بالله سابق على التصديق بالرسول وبالكتاب الذى جاء به الرسول ، لأنه شرط لهما ، ومقدم عليهما ، فالتصديق بالكتاب - النقل - متوقف على صدق الرسول الذى أتى به ، والتصديق بالرسول متوقف على وجود الإله الذى أرسل هذا الرسول وأوحى إليه.. والعقل هو سبيل الإيمان بوجود الله - سبحانه وتعالى - وذلك عن طريق تأمل وتدبر بديع نظام وانتظام المصنوعات الشاهدة على وجود الصانع المبدع لنظام وانتظام هذه المصنوعات.. فالعقل - في الإسلام - هو أداة الإيمان بجوهر الدين - الألوهية - وبعبارة الإمام محمد عبده:".. فأول أساس وضع عليه الإسلام هو النظر العقلى ، والنظر عنده هو وسيلة الإيمان الصحيح ، فقد أقامك منه على سبيل الحُجة ، وقاضاك إلى العقل ، ومن قاضاك إلى حاكم فقد أذعن إلى سلطته.." (1) .
وذلك على حين كان العقل غريبًا ومستبعدًا من سبل الإيمان في حقب الرسالات السابقة على الإسلام..
حقب المعجزات المدهشة للعقول ، عندما كانت الإنسانية في مراحل الطفولة"خرافًا ضالة"، تؤمن بما يُلقى إلى قلبها ، دون إعمال عقل ، لأن الإيمان لا يحتاج إلى إعمال عقل.. وفق عبارة القديس والفيلسوف النصرانى"أنسيلم" [1033-1109م] .