فهرس الكتاب
- 📄
- 📄
ومع أن واحدا من كبار الدارسين عند القوم ، والمدافعين عن الكتاب المقدس ، وهو نورتن ، حاول أن يدافع عن الكتاب المقدس أمام طعن إكهارن الجرمني ، فقد اضطر إلى أن يعترف بأن تمييز الصدق من الكذب في هذا الزمان عسير !!
ومن هنا نصل إلى موضوع السؤال ، لنقول: إن من لم يؤمن بالقرآن ، لن يصح له كتاب يؤمن به ، ومن طعن في صدق النبي ، صلى الله عليه وسلم ، وصحة دين الإسلام ، لم يمكنه أن يقيم دليلا على صحة دينه الذي يتمسك به .
ووجه ذلك أن من طعن في صدق النبي صلى الله عليه وسلم ، فيما أخبر به من نبوته ، والوحي المنزل عليه من السماء ، مع أن ظهرت على يديه المعجزات الدالة على صدقه في ما قال ، وبقي حياته يتحدى أعداءه بالكتاب الذي ينسبه إلى وحي ربه أن يأتوا بمثله ، أو بشيء منه ، بل أن تحدى الإنس والجن جميعا أن يجتمعوا ويتظاهروا ، ويتساعدوا ، من أجل أن يأتوا بمثل هذا القرآن: ( قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الأِنْسُ وَالْجِنُّ عَلَى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هَذَا الْقُرْآنِ لا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيرا ً) الإسراء/88
ولم يحدث أنهم فعلوا وأتوا بمثله ، على ما مر من التاريخ بعده ، وعلى كثرة ما عارضه من الأعداء ، وودوا لو أثبتوا كذبه ، وهيهات !!
ثم بقي ذلك النبي بعد ذلك منصورا على أعدائه ، لم يبطلوا له حجة ، ولا وقفوا له على كذبة في خبر ، ولو كان من حديث الناس الذي يألفونه ، فضلا عن أن يكذب على ربه الذي أرسله .
وليت شعري ، إذا طعنوا في ذلك كله ، فأنى لهم أن يقيموا دليلا على صحة"الإلهام"الذي اعتمدوا عليه في تصديق كتبهم ، مع أنهم لا يدعون أن هذه الأناجيل أنزلت على عيسى ، أو أنه كتبها ، أو أملاها ، أو حتى كتبت في حياته !!
هذا مع أنه لا يوجد دليل محقق على شخصية الأربعة الذين كتبوا هذه الأناجيل ، ومن يكونون ، وكيف كانت سيرتهم وحياتهم ، وهل كان ما كتبوه كان من من الوحي الإلهي ، أو الإلهام ، على حد تعبيرهم ، أو كان من بنات أفكارهم ، ووحي شياطينهم . يقول هورن ، أحد كبار مفسري الكتاب المقدس: ( إذا قيل إن الكتب المقدسة أوحيت من جانب الله ، فلا يراد أن كل لفظ ، والعبارة كلها من إلهام الله ، بل يُعلم من اختلاف محاورة المصنفين ، واختلاف بيانهم أنهم كانوا مُجَازين(؟!) [ يعني: كانوا مسموحا لهم ] أن يكتبوا على حسب طبائعهم وعاداتهم وفهومهم ، ولا يُتخيل أنهم كانوا ملهمين في كل أمر يبينونه ، أو في كل حكم كانوا يحكمونه ) .
وقد أشارت دائرة المعارف البريطانية إلى خلاف علماء النصارى وباحثيهم في شأن هذا الإلهام: هل كل قول مندرج في الكتب المقدسة إلهامي أو لا ؟ ثم علقت في موضع منها ( 19/20) على ذلك: ( إن الذين قالوا إن كل قول مندرج فيها إلهامي ، لا يقدرون أن يثبتوا دعواهم بسهولة ) .
ونقول: ولا بصعوبة !!
وإزاء عشرات المواضع المتضاربة فيما بين هذه الأناجيل ، بعضها وبعض ، وعشرات الأغلاط التاريخية ، والنبوءات الكاذبة التي لم تتحقق ، قرر فريدريك جرانت أن ( العهد الجديد كتاب غير متجانس ، ذلك أنه شتات مجمع ، فهو لا يمثل وجهة نظر واحدة تسوده من أوله إلى آخره ، لكنه في الواقع يمثل وجهات نظر مختلفة ) .
وأما دائرة المعارف الأمريكية فتذكر ( أن هناك مشكلة هامة وصعبة تنجم عن التناقض الذي يظهر في نواح كثيرة بين الإنجيل الرابع ، والثلاثة المتشابهة ؛ إن الاختلاف بينهم عظيم ، لدرجة أنه لو قبلت الأناجيل المتشابهة ، باعتبارها صحيحة وموثوقا فيها ، فإن ما يترتب على ذلك هو عدم صحة إنجيل يوحنا ) .
هذا مع اعتبار أن إنجيل يوحنا هو أشد هذه الأناجيل تقريرا لعقيدتهم في التثليث ، بل إنهم ليعترفون أنه ألف من أجل تقرير هذه العقيدة التي أخلت بها الأناجيل الأخرى ، وقطع اختلاف الناس في شأنها !!
إن الكنيسة الكاثوليكية التي كانت تتمسك بشدة بعقيدة الإلهام ، كأصل للكتاب المقدس ، وأكدت على ذلك في مجمع الفاتيكان عام ( 1869-1870) ، عادت أمام هذه الحقائق لتعترف ، بعد نحو قرن ، في المجمع المسكوني الثاني للفاتيكان ( 1962-1965) بأن هذه الكتب تحتوي على شوائب ، وشيء من البطلان ، على ما نقله الباحث الفرنسي الكاثوليكي [ الذي أسلم فيما بعد ] د موريس بوكاي .
ثم إن من كذب بشيء من معجزات النبي صلى الله عليه وسلم ، وأحواله وسيرته الدالة على صدقه ، كيف له أن يثبت معجزات هؤلاء الرسل المزعومين الذي كتبوا الأناجيل ، أو يدلل على صدقهم في دعوى الإلهام ؟!
إن دعوى الإلهام صادقة في زعمهم بدليل شهادة الكتاب المقدس ، وما فيه من ذكر معجزاتهم ، والكتاب المقدس وما فيه صادق لأنه إلهام !!
وهكذا ينتهي استدلالهم إلى الدور الباطل ، كما نقله ريس في دائرة معارفه عن بعض المحققين: فالكتاب المقدس صحيح لأنه إلهام ، وإلهامهم صادق لأن الكتاب المقدس شهد به !!