فهرس الكتاب
- 📄
- 📄
ثم قال: { فَإِنِ انْتَهَوْاْ فَإِنَّ اللَّهَ بِمَا يَعْمَلُونَ بَصِيرٌ } والمعنى { فَإِنِ انْتَهَوْاْ } عن الكفر وسائر المعاصي بالتوبة والإيمان { فَإِنَّ اللَّهَ بِمَا يَعْمَلُونَ بَصِيرٌ } عالم لا يخفى عليه شيء يوصل إليهم ثوابهم { وَإِن تَوَلَّوْاْ } يعني عن التوبة والإيمان { فَاعْلَمُواْ أَنَّ اللَّهَ مَوْلاَكُمْ } أي وليكم الذي يحفظكم ويرفع البلاء عنكم، ثم بين أنه تعالى { نِعْمَ الْمَوْلَى وَنِعْمَ النَّصِيرُ } وكل ما كان في حماية هذا المولى وفي حفظه وكفايته، كان آمنًا من الآفات مصونًا عن المخوفات.
ولكن ما جاء بسورة يونس لأهل الكتاب وليس للكفار
ولو شاء ربُّك لآمَنَ مَن في الأرض كلِّهم، أفأنت تُكرِه الناسَ حتى يكونوا مؤمنين (آية 99) .
واعلم أنه تعالى لما ذكر هذا الكلام قال: { أَفَأَنتَ تُكْرِهُ النَّاسَ حَتَّى يَكُونُواْ مُؤْمِنِينَ } والمعنى أنه لا قدرة لك على التصرف في أحد، والمقصود منه بيان أن القدرة القاهرة والمشيئة النافذة ليست إلا للحق سبحانه وتعالى.
فقوله: { أَفَأَنتَ تُكْرِهُ النَّاسَ } يعني إنما يقدر على إكراههم واضطرارهم إلى الإيمان هو لا أنت. وإيلاء الاسم حرف الاستفهام، وللإعلام بأن الإكراه ممكن مقدور عليه، وإنما الشأن في المكره من هو؟ وما هو إلاّ هو وحده لا يشارك فيه، لأنه هو القادر على أن يفعل في قلوبهم ما يضطّرون عنده إلى الإيمان، وذلك غير مستطاع للبشر.
فالفارق كبير بين توجيه الخطاب من جهة المشركين الذين ينشرون الفتنة بين الناس وبين ما جاء بسورة يونس لأهل الكتاب والناس ... فلا وجود للفتنة التي ينتج عنها قتال
3-تعدد قراءات القرآن
مقدمة: تعدد القراءات ألا يدل على الاختلاف فيه ، وهو نوع من التحريف ؟
القراءات: جمع قراءة ، وقراءات القرآن مصطلح خاص لا يراد به المعنى اللغوى المطلق ، الذى يفهم من اطلاع أى قارئ على أى مكتوب ، بل لها في علوم القرآن معنى خاص من إضافة كلمة قراءة أو قراءات للقرآن الكريم، فإضافة"قراءة"أو"قراءات"إلى القرآن تخصص معنى القراءة أو القراءات من ذلك المعنى اللغوى العام ، فالمعنى اللغوى العام يطلق ويراد منه قراءة أى مكتوب ، سواء كان صحيفة أو كتابًا ، أو حتى القرآن نفسه إذا قرأه قارئ من المصحف أو تلاه بلسانه من ذاكرته الحافظة لما يقرؤه من القرآن ومنه قول الفقهاء:
القراءة في الركعتين الأوليين من المغرب والعشاء تكون جهرًا ، فإن أسرَّ فيهما المصلى فقد ترك سُنة من سنن الصلاة ، ويسجد لهما سجود السهو إن أسر ساهيًا. فقراءة القرآن هنا معنى لغوى عام ، لا ينطبق عليه ما نحن فيه الآن من مصطلح: قراءات القرآن. وقد وضع العلماء تعريفًا للقراءات القرآنية يحدد المراد منها تحديدًا دقيقًا. فقالوا في تعريفها:
"اختلاف ألفاظ الوحى في الحروف أو كيفيتها من تخفيف وتشديد وغيرهما (البرهان في علوم القرآن(1/318 ) ) ."
وقد عرفها بعض العلماء فقال:
"القراءات: هى النطق بألفاظ القرآن كما نطقها النبى صلى الله عليه وسلم .." (القراءات القرآنية تاريخ وتعريف) .
ومما تجب ملاحظته أن القراءات القرآنية وحى من عند الله عزَّ وجل ، فهى إذن قرآنٌ ، ولنضرب لذلك بعض الأمثلة:
قوله تعالى: (لقد جاءكم رسول من أنْفُسِكُمْ ) (1) . هذه قراءة حفص عن عاصم ، أو القراءة العامة التى كُتب المصحف في خلافة عثمان بن عفان رضى الله عنه عليها ، والشاهد في الآية كلمة"أنفُسِكُم"بضم الفاء وكسر السين ، وهى جمع:"نَفْس"بسكون الفاء ، ومعناها: لقد جاءكم رسول ليس غريبًا عليكم تعرفونه كما تعرفون أنفسكم لأنه منكم نسبًا ومولدًا ونشأة ، وبيئة ، ولغة.
وقرأ غير عاصم:"لقد جاءكم رسول من أَنْفَسِكُمْ"بفتح الفاء وكسر السين ، ومعناها: لقد جاءكم رسول من أزكاكم وأطهركم.
و"أنْفَس"هنا أفعل تفضيل من النفاسة. فكلمة"أنفسكم"كما ترى قرئت على وجهين من حيث النطق. وهذا هو معنى القراءة والقراءات القرآنية.
مع ملاحظة مهمة ينبغى أن نستحضرها في أذهاننا ونحن نتصدى فيما يأتى للرد على الشبهة التى سيوردها خصوم القرآن من مدخل: تعدد قراءات القرآن أن هذه القراءات لا تشمل كل كلمات القرآن ، بل لها كلمات في الآية دون كلمات الآية الأخرى ، وقد رأينا في الآية السابقة أن كلمات الآية لم تشملها القراءات ، بل كانت في كلمة واحدة هى"أنفسكم".
وهذا هو شأن القراءات في جميع القرآن ، كما ينبغى أن نستحضر دائمًا أن كثيرًا من الآيات خلت من تعدد القراءات خلوًّا تامًّا.
ومثال آخر ، قوله تعالى:
"مالك يوم الدين"والشاهد في الآية كلمة"مالك"، وفيها قراءتان:
"مالك"اسم فاعل من"مَلِكَ"وهى قراءة حفص وآخرين."مَلِك"صفة لاسم فاعل ، وهى قراءة: نافع وآخرين.
ومعنى الأولى"مالك"القاضى المتصرف في شئون يوم الدين، وهو يوم القيامة.