فهرس الكتاب

الصفحة 1872 من 4557

وإفساح لمجال الحياة ومشاعرها وصورها, بحيث تتجاوز نطاق هذه العاجلة, كما تتجاوز مظاهر الحياة الزائلة. وحيث تستقر في مجال فسيح عريض، لا تعترضه الحواجز التي تقوم في أذهاننا وتصوراتنا عن هذه النقلة من صورة إلى صورة, ومن حياة إلى حياة!

ووفقًا لهذا المفهوم الجديد الذي أقامته هذه الآية ونظائرها من القرآن الكريم في قلوب المسلمين, سارت خطى المجاهدين الكرام في طلب الشهادة في - سبيل الله -

كم ملكًا بشر مريم - ما رأيكم ؟

كم ملكًا بشرها ؟"في سورة آل عمران:"إِذْ قَالَتِ الْمَلَائِكَةُ يَا مَرْيَمُ إِنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكِ بِكَلِمَةٍ مِنْهُ اسْمُهُ الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ وَجِيهًا فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَمِنَ الْمُقَرَّبِينَ (45) ". هنا اكثر من ملاك بينما في سورة مريم، بشرها ملاك واحد وقالت له:"قَالَتْ أَنَّى يَكُونُ لِي غُلَامٌ وَلَمْ يَمْسَسْنِي بَشَرٌ وَلَمْ أَكُ بَغِيًّا (20) "".

الجواب: جمهور المفسرين على أن المقصود بالملائكة في قوله تعالى:"إِذْ قَالَتِ الْمَلائِكَةُ يَا مَرْيَمُ إِنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكِ بِكَلِمَةٍ مِنْهُ..". أنه هو وحده سيدنا جبريل u.

والعرب تُخبِر أحيانًا عن الواحد بلفظ الجمع؛ لأنها تريد به: الجنس. [1]

كقولك:"ركبتُ السيارات من دمشق إلى عمّان". (وأنت لم تركب إلا سيارة واحدة) .

وقولك:"رأيت الساعي متنقلًا بدراجات البريد". (وهو لم يركب إلا دراجة واحدة) .

ومنه قوله تعالى في سورة آل عمران:"الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ.." [آل عمران: 173] . والقائل واحد. [2]

ولا يمنع أن تكون جماعة من الملائكة بشرتها، بعد أن بشرها سيدنا جبريل.. في مجلس مختلف.

أي بشرها سيدنا جبريل في البداية.. وبعد فترة زمنية ليست بالطويلة، جاءت ملائكة أخرى وبشرتها.

وتكرار البشارة ضروري لثبيتها وتكريمها، ولتأكيد أهمية الأمر، وترسيخ اليقين بصدق البشرى وأنها ليست واهمة ولا حالمة، وفي تكرار البشارة أيضًا: تبشيرها بأمور زائدة عما بُشِّرت به في البشارة الأولى.

ونقد الشبهة التالية يؤكد هذا التوجيه..

ب. بماذا تكلمت مع مَن بشَّرها بالحمل ؟"فى بشارة الملاك لمريم بالمسيح قالت مريم في سورة ال عمران (قَالَتْ رَبِّ أَنَّى يَكُونُ لِي وَلَدٌ وَلَمْ يَمْسَسْنِي بَشَرٌ قَالَ كَذَلِكِ اللّهُ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ إِذَا قَضَى أَمْرًا فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُن فَيَكُونُ {47} ) بينما في سورة مريم قالت في نفس الحادثة ونفس الموقف كلام مختلف حيث تقول الاية (قَالَتْ أَنَّى يَكُونُ لِي غُلامٌ وَلَمْ يَمْسَسْنِي بَشَرٌ وَلَمْ أَكُ بَغِيًّا {20} قَالَ كَذَلِكِ قَالَ رَبُّكِ هُوَ عَلَيَّ هَيِّنٌ وَلِنَجْعَلَهُ ءَايَةً لِلنَّاسِ وَرَحْمَةً مِنَّا وَكَانَ أَمْرًا مَقْضِيًّا { 21} ) ".

الجواب: لا يستبعَد أن تكون كررت السؤال أكثر من مرة، لاختلاف المجلس، واختلاف المبشِّرين. عندها تكون الإجابة بصيغ مختلفة؛ فالأمر جلل ويخالف العادة.. ومن المستبعد أن تؤمن بصدق ما سمعته فورًا، وأن تدرك وتتفهم المطلوب منها منذ أول الأمر، بل التكرار في موقف كهذا محمود لترسيخ الفهم، وتأكيد صدق وحق وجدية الأمر، الخارق لما اعتاده الناس وألفوه، إضافة إلى كون الأمر سيمس سمعتها وشرفها ـ أمام قومها ـ وهي المرأة العفيفة الطاهرة.

هوامش:

[1] قال أبو علي المرزوقي في كتابه الأمالي ص104، بعد أن وضَّح فصاحة ذلك:"ألا ترى أنه يحسن أن تقول لمن ملك عبدًا، أو وهب دينارًا: صرت تملك العبيد وتهب الدنانير، وإن لم يكن ما ملكه أو وهبه إلاّ واحدًا ؟".

[2] القائل: هو نُعيم بن مسعود t وقيل غيره، والمقصود بالناس الذين جمعوا لهم: أبو سفيان t. انظر: مفحمات الأقران في مبهمات القرآن، السيوطي، ص12.

رحيم

د هشام عزمي

بسم الله والحمد لله . . .

الجواب عن الجزء الأول ممتاز وهو تلخيص بارع لما قاله أهل العلم في هذه المسألة .

أما الشبهة الثانية فلا أرى لها محلًا لهذا لم يلتفت إليها أحد من أهل العلم فيما أعلم ؛ فمريم عليها السلام لم تقل كلامًا مختلفًا في الآيتين بل هو نفس الكلام تقريبًا إذا راعينا أنها عليها السلام لم تكن تتحدث العربية بل الكلام هنا تعبير بالمعنى عن كلامها بلغتها الأصلية .

فهي قالت حسب سورة آل عمران: { رَبِّ أَنَّى يَكُونُ لِي وَلَدٌ وَلَمْ يَمْسَسْنِي بَشَرٌ }

وحسب سورة مريم: { أَنَّى يَكُونُ لِي غُلامٌ وَلَمْ يَمْسَسْنِي بَشَرٌ وَلَمْ أَكُ بَغِيًّا }

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت