فهرس الكتاب

الصفحة 2532 من 4557

وتروي لنا كتب السير أن الأخبار أتت رسول الله صلى الله عليه وسلم بأن خالد بن سفيان الهُذلي يُجَمِّع العرب في بطن عُرْنَة عند سفح عرفة على بعد خمسمائة كيلو متر من المدينة،فأرسل له رجلًا (عبد الله بن أُنيس) من المدينة يسعى على قدميه فأخمد الفتنة. ولم نسمع كثيرًا ولا قليلًا من الكلام.

وغدرت قريش بعهدها مع النبي صلى الله عليه وسلم وراحت وجاءت وقالت وأكثرت، وما كان من الحبيب صلى الله عليه وسلم إلا أن رد عليهم بفعل لا بقول... استنفر أصحابه وجمََََّع جيشه وفتح مكة.

وغدرت قريظة فذبحت، وقتلت غسان رسولَ رسولِ الله صلى الله عليه وسلم فتحرك جيش مؤتة، وبنو المصطلق همّوا بالتَّجَهُز فوجدوا الخيل صباحا تشرب من مائهم.

هكذا... نعم هكذا.

لم يكن رسول الله صلى الله عليه وسلم يتكلم كثيرًا.

ولم يكن الباعث على هذا (التصرف الفعلي) من الرسول صلى الله عليه وسلم هو كثرة العدد ووفرة العتاد، فقد كانت الحال حال... هو منهج الدعوة من يومها الأول"أنظر كيف بدأت،"يا أيها المدثر قم فأنذر""إن لك في النهار سبحًا طويلًا"."

فلم تكن فقط عملية وجادة مع المخالف وإنما أيضا في تربية الجماعة المؤمنة، كانت الدروس كلها عملية.

يذبح سبعين من الصحابة يوم أحد منهم الحمزة بن عبد المطلب ليتعلم القوم درسا من جملة واحدة"قلتم أنى هذا قل هو من عند أنفسكم (وَمَا أَصَابَكُم مِّن مُّصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُو عَن كَثِيرٍ) "

ويستمر حادث الإفك شهرا ليتعلم القوم درسا عمليا (لَوْلَا إِذْ سَمِعْتُمُوهُ ظَنَّ الْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بِأَنفُسِهِمْ خَيْرًا وَقَالُوا هَذَا إِفْكٌ مُّبِينٌ) (إِذْ تَلَقَّوْنَهُ بِأَلْسِنَتِكُمْ وَتَقُولُونَ بِأَفْوَاهِكُم مَّا لَيْسَ لَكُم بِهِ عِلْمٌ وَتَحْسَبُونَهُ هَيِّنًا وَهُوَ عِندَ اللَّهِ عَظِيمٌ) (النور: 15)

ويحاصر المخلفين عن غزوة تبوك خمسين يوما حتى ضاقت عليهم الأرض بما رحبت وضاقت عليهم أنفسهم، ليتلقوا درسًا عمليًا هم ومن يشاهدونهم ومن يسمع بهم كي لا يتخلفوا ثانية عن رسول الله ولا يرغبوا بأنفسهم عن نفسه.

هذا حاله صلى الله عليه وسلم في التعامل مع عدوه ومع أتباعه... هذا هو المنهج الرباني الذي تحرك به النبي صلى الله عليه وسلم.

وإن من أوضح الأمور لمن يتدبر نشأت الجماعة المؤمنة على يد الرسول صلى الله عليه وسلم وكيف نمت وتطورت وكيف عالجت مشاكلها الداخلية بين أفرادها والخارجية مع أعدائها، أن نهج الشرع كان عمليا، ولم يكن يومًا ما نظريًا.

لم يتقدم رسول الله صلى الله عليه وسلم بأجندة عمل لمن يخالفونه يشرح فيها وجهات نظره، ورؤيته للمستقبل، وإنما كان هادئًا كثير الصمت يعمل ولا يتكلم.

ومن الواضح جدًا أيضًا أن الأفراد ميزتهم المواقف ولم يتميزوا بالمعرفة الذهنية، ولا بأصوات العامة لهم.

واليوم: العقيدة دروس علمية.. نظرية، لا تكاد تعرف (الأخ ) إلا من كلامه، قليل من تتعرف عليهم من وجوههم وفعالهم.

واليوم شعارات نرفعها وننام تحتها مكتفين بمجرد الانتساب للعمل الإسلامي.

واليوم شعارات نرفعها ونتعصب لها.

والمطلوب حين عرض السيرة النبوية على الناس أن ينبه على هذا الأمر، وأن نقف مع الأحداث نبين كيف كانت الدعوة جادة، ولم تكن يومًا ما مفاهيم نظرية.

وأن المفاهيم الإسلامية ما جاءت إلا لتنشئ واقعًا... إلا لتترجم على أرض الواقع.

والله أسال أن يبارك لي في كلماتي وأن ينفع بها من كتب ومن نشر ومن قرأ.

وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.

الشيخ محمد بن صالح المنجد

ساء كلّ مسلم غيور على دينه ما قام به السفهاء المجرمون من الاستهزاء بنبينا محمد -صلى الله عليه وسلم- وهو أفضل من وطئت قدماه الثرى، وهو سيد الأولين والآخرين صلوات ربي وسلامه عليه.

وهذه الوقاحة ليست غريبة عنهم؛ فهم أحق بها وأهلها؛ فقد كفروا بالله ـ تعالى ـ وسبوه ونسبوا إليه الصاحبة والولد.

فماذا ينقم هؤلاء من سيد البشر محمد -صلى الله عليه وسلم-؟!

هل ينقمون منه أنه دعا إلى توحيد الله ـ تعالى ـ وهم لا يؤمنون لله بالوحدانية؟

أم ينقمون منه أنه عَظَّمَ ربه تبارك ـ وتعالى ـ ونزَّهه عما يقوله هؤلاء المفترون، وهم ينسبون إليه النقص والصاحبة والولد؟

أم ينقمون منه أنه دعا إلى معالي الأخلاق، وتَرْك سفسافها، ودعا إلى الفضيلة، وسد كل باب يؤدي إلى الرذيلة، وهم يريدونها فوضى أخلاقية وجنسية عارمة؟

يريدون أن يغرقوا في مستنقع الشهوات والرذيلة، وقد كان لهم ما أرادوا!

أم ينقمون منه أنه رسول الله؛ والله ـ تعالى ـ هو الذي اصطفاه على الناس برسالته ووحيه؟

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت