فهرس الكتاب
- 📄
- 📄
ودلائل نبوته -صلى الله عليه وسلم- أكثر من أن تحصر: شق الله له القمر ليُري الكفار آية، ونبع الماء من بين أصابعه -صلى الله عليه وسلم- مرات، وتكلمت الشاة المسمومة فأخبرته أن بذراعها سُمًّا، وأعطاه خمسًا لم يعطهن أحدًا من الأنبياء قبله، منها نصره بالرعب مسيرة شهر، وبعثه للناس كافة: {وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إلاَّ كَافَّةً لِّلنَّاسِ بَشِيرًا وَنَذِيرًا وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ} [سبأ: 28] .
أم لم يسمعوا عن آيته الكبرى، هذا القرآن الكريم، كلام رب العالمين، الذي حفظه الله ـ تعالى ـ فلم تمتد إليه يد العابثين المحرفين، أما كتبهم المنزلة على أنبيائهم فتلاعبوا بها أيما تلاعب: {فَوَيْلٌ لِّلَّذِينَ يَكْتُبُونَ الْكِتَابَ بِأَيْدِيهِمْ ثُمَّ يَقُولُونَ هَذَا مِنْ عِندِ اللَّهِ لِيَشْتَرُوا بِهِ ثَمَنًا قَلِيلًا فَوَيْلٌ لَّهُم مِّمَّا كَتَبَتْ أَيْدِيهِمْ وَوَيْلٌ لَّهُم مِّمَّا يَكْسِبُونَ} [البقرة: 79] .
بل من أعظم الأدلة على صدق نبينا محمد -صلى الله عليه وسلم-، بقاء دينه هذه القرون الطويلة ظاهرًا منصورًا، وقد كان أمره -صلى الله عليه وسلم- في حياته دائمًا إلى ظهور وعلو على أعدائه، وحكمة الله ـ تعالى ـ تأبى أن يُمَكِّن كاذبًا عليه وعلى دينه من العلو في الأرض هذه المدة الطويلة، بل في كتبهم التي كتمها علماؤهم وحرفوها أن الكذاب (مدعي النبوة) لا يمكن أن يبقى إلا مدة يسيرة ثم ينكشف أمره ويضمحل.
كما ذُكِر عن أحد ملوكهم أنه أُتِي برجل من أهل دينه (نصراني) كان يسب النبي -صلى الله عليه وسلم-، ويرميه بالكذب، فجمع الملك علماء ملته، وسألهم: كم يبقى الكذاب؟ فقالوا: كذا وكذا. ثلاثين سنة، أو نحوها، فقال الملك: وهذا دين محمد له أكثر من خمسمائة سنة، أو ستمائة سنة (يعني: في أيام هذا الملك) ، وهو ظاهر مقبول متبوع؛ فكيف يكون هذا كذابًا؟ ثم ضرب عنق ذلك الرجل (1) !!
ألم يعلموا أن كثيرًًا من عقلائهم وملوكهم وعلمائهم لما وصلت إليهم دعوة الإسلام بيضاء نقية لم يملكوا إلا الإقرار بصحة هذا الدين، وعَظَّموا النبي -صلى الله عليه وسلم-، ومنهم من أعلن الدخول في الإسلام.
فقد أقر ملك الحبشة النجاشي بذلك، ودخل في الإسلام.
ولما أرسل النبي -صلى الله عليه وسلم- كتابًا إلى هرقل ملك الروم يدعوه فيه إلى الإسلام أقرّ هرقل بصحة نبوته، وهمّ أن يُعلن إسلامه وتمنى أن يذهب إلى الرسول -صلى الله عليه وسلم- ويكون خادمًا عنده، إلا أنه خاف على نفسه من أهل ملته ثم ضنَّ بملكه وأخذته شهوة الرئاسة، فبقي على الكفر ومات عليه.
ولم يزل الكثير من مفكريهم وكتّابهم ومؤرخيهم المنصفين يعلنون الثناء على محمد -صلى الله عليه وسلم-.
1 ـ برنارد شو الإنكليزي، له مؤلف أسماه (محمد) يقول:
«إن العالم أحوج ما يكون إلى رجلٍ في تفكير محمد، وإنّ رجال الدين في القرون الوسطى، ونتيجةً للجهل أو التعصّب، قد رسموا لدين محمدٍ صورةً قاتمةً، لقد كانوا يعتبرونه عدوًّا للنصرانية، لكنّني اطّلعت على أمر هذا الرجل، فوجدته أعجوبةً خارقةً، وتوصلت إلى أنّه لم يكن عدوًّا للنصرانية، بل يجب أنْ يسمّى منقذ البشرية، وفي رأيي أنّه لو تولّى أمر العالم اليوم، لوُفّق في حلّ مشكلاتنا بما يؤمِّن السلام والسعادة التي يرنو البشر إليها» .
2 ـ ويقول آن بيزيت:
«من المستحيل لأي شخص يدرس حياة وشخصية نبي العرب العظيم ويعرف كيف عاش هذا النبي وكيف علَّم الناس، إلا أن يشعر بتبجيل هذا النبي الجليل، أحد رسل الله العظماء» .
3 ـ شبرك النمساوي:
«إنّ البشرية لتفتخر بانتساب رجل كمحمد إليها؛ إذ إنّه رغم أُمّيته، استطاع قبل بضعة عشر قرنًا أنْ يأتي بتشريع، سنكونُ نحنُ الأوروبيين أسعد ما نكون، إذا توصلنا إلى قمّته» .
4 ـ ويقول (جوته) المفكر الألماني:
«إننا أهل أوروبا بجميع مفاهيمنا، لم نصل بعد إلى ما وصل إليه محمد، وسوف لا يتقدم عليه أحد، ولقد بحثت في التاريخ عن مَثَلٍ أعلى لهذا الإنسان، فوجدته في النبي محمد، وهكذا وجب أن يظهر الحق ويعلو، كما نجح محمد الذي أخضع العالم كله بكلمة التوحيد» (2) .
وقد ميز الله ـ سبحانه وتعالى ـ نبينا محمدًًا -صلى الله عليه وسلم- وكرَّمه بعدد من المعجزات الباهرات كما خصه بأشياء دون غيره من الأنبياء، ومعرفة هذه الخصائص تزيدنا في معرفة النبي -صلى الله عليه وسلم- وتجعلنا نحبه ويزداد إيماننا به فنزداد له تبجيلًا ونزداد له شوقًا.
والخصائص النبوية: (هي الفضائل والأمور التي انفرد بها النبي -صلى الله عليه وسلم- وامتاز بها إما عن إخوانه الأنبياء وإمّا عن سائر البشر) .
فاقَ البُدورَ وَفاقَ الأَنبِياءَ فَكَم بِالخُلقِ وَالخَلقِ مِن حُسنٍ وَمِن عِظَمِ
وخصائصه ـ عليه الصلاة والسلام ـ التي اختُص بها دون بقية الأنبياء ـ عليهم السلام ـ كثيرة، دنيوية وأخروية.
من الخصائص الدنيوية: