فهرس الكتاب

الصفحة 1761 من 4557

أما كيف أن الله عاقب آدم فأنزله في الهند، وأنزل حواء قرب مكة، فهذا من الإسرائيليات التي لم تثبت صحتها في شرعنا، ولو صح ذلك لكانت الحكمة فيه ظاهرة، وهو أن هذا درس من دروس الحياة، وأن مبناها على الكفاح، فما من غاية من غاياتها، ولا حاجة من حاجاتها، إلا وتحتاج إلى جهد وكد لتحصيلها، وأن هذه طبيعة الحياة، تفرق بين الأحباب وتباعد بين الأصحاب. وحبذا لو اطلعت على كتب التفسير الموثوقة كتفسير الحافظ ابن كثير وغيره، فإن ذلك سيعين على إزالة كثير من الإشكالات بإذن الله.

والله أعلم.

المفتي: مركز الفتوى بإشراف د.عبدالله الفقيه

قال علي بن أبي طالب:"أيها الناس، إياكم والغلو في عثمان. تقولون حرق المصاحف، والله ما حرقها إلا عن ملأ من أصحاب محمد ولو وليت مثل ما ولي، لفعلت مثل الذي فعل". [1]

هذا القول من الإمام علي يؤكد أن أمر حرق المصاحف، كان باتفاق المسلمين وإجماعهم. وأن من اعترض في البداية ـ كما هي عادة كل مجتمع ـ انصاع إلى الحق، وهدأت نفسيته، واطمأنت سريرته حينما أدرك بعد نظر الإمام الراشد عثمان ، وأن مصلحة المسلمين العامة، مقدمة على مصلحة أفراد الناس الخاصة، وإن كانوا من كبار الصحابة.. فصفو المجتمع خير من كدر الفرد.

وكان سيدنا عثمان أول المطبقين لما أجمع عليه الصحابة، حين بعث إلى الأمصار قائلًا:"إني قد صنعت كذا وكذا، ومَحَوت ما عندي، فامحوا ما عندكم". [2] فكان النموذج الأعلى والقدوة الأسمى لغيره، فهو رغم أنه يملك سلطة الإبقاء على مصحفه، أو وضعه في مكان لا يُرى، إلا أنه أبى إلا مصلحة المسلمين.

ثانيًا: شبهة مخالفة ما ورد في بعض مصاحف الصحابة للمصحف العثماني:

قبل الشروع في تفصيل أشهر ما نُسب إلى مصاحف الصحابة من مخالفة للمصحف الذي بين أيدينا، ينبغي الإشارة إلى تعريف القرآن الكريم:"كلام الله، المعجز، المتعبد بتلاوته، المنقول بالتواتر". [3]

وضابط النقل بالتواتر ـ بصفته أحد شروط القرآن الكريم ـ يمنع الاعتراف بقرآنية أي رواية تدل على كون آيات، أو آية، أو كلمة، أو حرف، أو حركة إعرابية؛ جزءًا من القرآن الكريم، المتعبد بتلاوته.

إن كل ما يذكره أولئك المشككون في عصمة القرآن الكريم، مطالبون بإثبات تواتر أي رواية يدعون أنها تدل على تحريف ـ بالزيادة أو الحذف ـ في القرآن الكريم.

لقد حرص المسلمون ـ منذ بداية الجمع الأول للقرآن الكريم في عهد أبي بكر كما سبق بيانه ـ على وجوب تحقق شرط التواتر لأي حرف يكتب في المصحف الشريف. واستمر المسلمون على ذلك محافظين على نقاء المصحف الشريف من كل دخيل. يشترطون لناسخ المصحف الشريف ـ وطابعه ـ شروطًا شديدة، هي نهاية ما توصل إليه المنهج العلمي في الدقة والضبط.

وبعد هذا الرد المجمل.. سأكتفي بالرد التفصيلي لأشهر ما نسب إلى الصحابة رضي الله عنهم أجمعين في مواقع الإنترنت التنصيرية من مخالفة للمصحف العثماني وهما: دعوى إنكار عبد الله بن مسعود للمعوذتين والفاتحة، ودعوى إثبات أبي بن كعب دعاء القنوت. ويمكن الرد على شبهات مثلها، بالقياس على الردود عليها.

أ) مصحف ابن مسعود وزعم خلوه من الفاتحة (!!) والمعوذتين: [4]

على فرض صحة تلك الروايات..

1.كان ابن مسعود لا يرى وضعها في المصحف، ولا يوجد أي أثر يدل على كونه أنكر أنها من القرآن، ما أنكره هو كتابة السور الثلاث (المعوذتين والفاتحة) لأنه لم يسمع نصًا صريحًا من رسول الله يأمر بذلك.

2.هذا خبر آحاد لا يثبت قرآنًا ولا ينفيه، فالمتواتر أقوى من الآحاد عند الترجيح يقينًا. فلا يثبت الآحاد عند معارضته بالمتواتر.

3.هذه مخالفة لإجماع الصحابة. وتخطئة الفرد، مقدّمة على تخطئة المجموع.

4.لم يثبت أبدًا أن أيًا من الصحابة غيره قد شكك في قرآنية المعوذتين، ولو في حديث ضعيف.

5.سورة الفاتحة يجب أن يحفظها كل مسلم، فلا صلاة بدون فاتحة الكتاب. فكيف كان عبد الله بن مسعود يصلي، ويؤم الناس؟

6.إن إنكار سورة من القرآن الكريم توجب الحد أو التعزير من الخليفة، ولم يثبت أن الخليفة أدانه بسبب قوله هذا.

7.لا يمكن أن يسكت عامة المسلمين على من يقول بعدم قرآنية الفاتحة والمعوذتين في وقتنا هذا. فكيف إن كان في خير القرون ؟

8.الروايات المسندة المتواترة التي يقرأها آلاف الناس في شتى أنحاء العالم. وينتهي سندها إلى ابن مسعود كلها فيها الفاتحة والمعوذتين، فهي دليل على أنه كان يعلمها للناس ويحفظهم إياها مع القرآن الكريم. [5]

9.مكث ابن مسعود في العراق إمامًا لهم، ومعلمًا إياهم القرآن الكريم. وكانت من أشد الأمصار شغبًا على سيدنا عثمان ، فلو علموا أن مصحفه خالف ما تعلموه على يد ابن مسعود لما سكتوا. ولو ترك لهم مصحفه، أو علمه إياهم لما رضُوا بغيره بديلًا.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت