فهرس الكتاب

الصفحة 1129 من 4557

وسأله نافع عن كلمة"ريشًا"فى قوله تعالى: (يا بنى آدم قد أنزلنا عليكم لباسًا يوارى سوءاتكم وريشًا ولباس التقوى ذلك خير.. ) (7) .

ففسره ابن عباس بالمال ، واستشهد بقول الشاعر:

فريشى بخير طالما قد بريتنى

وخير الموالى من يريش ولا يبرى

النموذج الخامس:"كَبد"

وسأله نافع عن كلمة"كَبد"فى قوله تعالى: (لقد خلقنا الإنسان في كبد ) (8) .

فقال ابن عباس: في اعتدال واستقامة. ثم استشهد بقول لَبِيد بن ربيعة:

يا عين هلا بكيت أربد إذ قمنا وقام الخصوم في كبد

وهكذا نهج ابن عباس في المسائل الـ (188) التى وجهت إليه ، يجيب عنها بسرعة مذهلة ، وذاكرة حافظة لأشعار العرب ، وسرعة بديهة في استحضار الشواهد الموافقة لفظًا ومعنى للكلمات القرآنية ، التى سئل عنها (9) .

وهذا يؤكد لنا حقيقتين أمام هذه الشبهات التى أثارها الحاقدون ضد القرآن الكريم.

الأولى: كذب الادعاءات التى نسبت لابن عباس الجهل ببعض معانى كلمات القرآن.

الثانية: أن القرآن كله لا غريب فيه بمعنى الغريب الذى يعاب الكلام من أجله ، وأن نسبة الغريب إليه في كتابات السلف ، تعنى الغريب النسبى لا الغريب المطلق ، وقد تقدم توضيح المراد من الغريب النسبى في هذا المبحث ، باعتبار الزمان ، وباعتبار البيئة والمكان ، وأن ما وضعه القدماء من مؤلفات تشرح غريب القرآن إنما كان المقصود به إما أبناء الشعوب التى دخلت الإسلام من غير العرب. وإما للأجيال الإسلامية المتأخرة زمنا ، التى غابت عنها معانى بعض الألفاظ.

وقد يضاف إلى هذا كله الألفاظ المشتركة والمترادفة والمتضادة، والاحتمالية المعنى.

أما أن يكون في القرآن غريب لا معنى له وغير مأنوس الاستعمال. فهذا محال ، محال.. والحمد لله رب العالمين.

الشبهة التى تمسكوا بها وُرُودُ مواضع بينها تشابه في كل من التوراة والقرآن الكريم. ومن أبرزها الجانب القصصى. وبعض المواضع التشريعية تمسكوا بها ، وقالوا: إن القرآن مقتبس من التوراة ، وبعضهم يضيف إلى هذا أن القرآن اقتبس مواضع أخرى من"الأناجيل".

* الرد على هذه

الشبهة:

كيف يتحقق الاقتباس عمومًا ؟

الاقتباس عملية فكرية لها ثلاثة أركان:

الأول: الشخص المُقتَبَس منه.

الثانى: الشخص المُقتَبِس (اسم فاعل) .

الثالث: المادة المُقتَبَسَة نفسها (اسم مفعول) .

والشخص المقُتَبَس منه سابق إلى الفكرة ، التى هى موضوع الاقتباس ، أما المادة المقُتَبَسَة فلها طريقتان عند الشخص المُقِتَبس ، إحداهما: أن يأخذ المقتبس الفكرة بلفظها ومعناها كلها أو بعضها. والثانية: أن يأخذها بمعناها كلها أو بعضها كذلك ويعبر عنها بكلام من عنده.

والمقتبس في عملية الاقتباس أسير المقتبس منه قطعًا ودائر في فلكه ؛ إذ لا طريق له إلى معرفة ما اقتبس إلا ما ذكره المقتبس منه. فهو أصل ، والمقتبس فرع لا محالة.

وعلى هذا فإن المقتبس لابد له وهو يزاول عملية الاقتباس من موقفين لا ثالث لهما:

أحدهما: أن يأخذ الفكرة كلها بلفظها ومعناها أو بمعناها فقط.

وثانيهما: أن يأخذ جزءً من الفكرة باللفظ والمعنى أو بالمعنى فقط.

ويمتنع على المقتبس أن يزيد في الفكرة المقتبسة أية زيادة غير موجودة في الأصل ؛ لأننا قلنا: إن المقتبس لا طريق له لمعرفة ما اقتبس إلا ما ورد عند المقتبس منه ، فكيف يزيد على الفكرة والحال أنه لا صلة له بمصادرها الأولى إلا عن طريق المقتبس منه.

إذا جرى الاقتباس على هذا النهج صدقت دعوى من يقول إن فلانًا اقتبس منى كذا.

أما إذا تشابه ما كتبه اثنان ، أحدهما سابق والثانى لاحق ، واختلف ما كتبه الثانى عما كتبه الأول مثل:

1-أن تكون الفكرة عند الثانى أبسط وأحكم ووجدنا فيها مالم نجده عند الأول.

2-أو أن يصحح الثانى أخطاء وردت عند الأول ، أو يعرض الوقائع عرضًا يختلف عن سابقه.

فى هذه الحال لا تصدق دعوى من يقول إن فلانا قد اقتبس منى كذا.

ورَدُّ هذه الدعوى مقبول من المدعى عليه ، لأن المقتبس (اتهامًا) لما لم يدر في فلك المقتبس منه (فرضًا) بل زاد عليه وخالفه فيما ذكر من وقائع فإن معنى ذلك أن الثانى تخطى ما كتبه الأول حتى وصل إلى مصدر الوقائع نفسها واستقى منها ما استقى. فهو إذن ليس مقتبسًا وإنما مؤسس حقائق تلقاها من مصدرها الأصيل ولم ينقلها عن ناقل أو وسيط.

وسوف نطبق هذه الأسس التى تحكم عملية الاقتباس على ما ادعاه القوم هنا وننظر:

هل القرآن عندما اقتبس كما يدعون من التوراة كان خاضعًا لشرطى عملية الاقتباس وهما: نقل الفكرة كلها ، أو الاقتصار على نقل جزء منها فيكون بذلك دائرًا في فلك التوراة ، وتصدق حينئذ دعوى القوم بأن القرآن (معظمه) مقتبس من التوراة ؟

أم أن القرآن لم يقف عند حدود ما ذكرته التوراة في مواضع التشابه بينهما ؟ بل:

1 عرض الوقائع عرضًا يختلف عن عرض التوراة لها.

2 أضاف جديدًا لم تعرفه التوراة في المواضع المشتركة بينهما.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت