فسؤالي، عفا الله عنكم: أني عندما أقرأ القرآن الكريم، وخصوصًا عندما أمر على قصص القرآن يرد في ذهني إشكال وهو أن- مثلًا- هذه القصة وقعت مرة واحدة، وأجد التعبيرات القرآنية مختلفة مما يشكل علي أيُّ الألفاظ قيلت، مع أن المعنى واحد، مثلًا يقول الله تعالى، عن موسى: (إذ رأى نارا فقال لأهله امكثوا إني آنست نارًا لعلي آتيكم منها بقبس أو أجد على النار هدى) [طه: 10] . بينما يقول في سورة النمل: (إني آنست نارا سآتيكم منها بخبر أو آتيكم بشهاب قبس لعلكم تصطلون) . وقال في سورة القصص: (آتيكم منها بخبر أو جذوة من النار) . والأمثلة على هذا كثيرة ولا تخفى عليكم، فهل هذا من المتشابه الذي يجب الإمساك عنه؟ أم أن الله تقدس وعلا يروي ذلك بالمعنى؟ أم ماذا؟ أفيدونا مأجورين وبارك الله في علمكم ونفع بكم، آمين. والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
الجواب
وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته. وبعد:
فليس ما سأل عنه السائل من المتشابه الذي لا يعقل معناه أو المراد به، بل هذا التنوع في العبارات هو لأن الآيات تدل على أكثر من معنى، ففي كل آية يبرز معنى من المعاني، ومن المعلوم أن موسى عليه السلام، أو فرعون لم يتكلما باللغة العربية التي نزل بها القرآن الكريم، وإنما جاء التعبير في القرآن عن المعاني التي ذكروها كما هي، فمثلًا القبس أو شهاب القبس، أو جذوة النار تدل على شيء واحد، فلا اختلاف بينها، وإن كانت كل آية تشير إلى معنى زائد غير ما أشارت إليه الآية الأخرى، ولذلك لا تجد بين هذه الآيات وإن اختلفت ألفاظها تضادًّا أو تناقضًا، بل تجد بينها توافقًا، مع أن كل آية تشير إلى معنى زائد بحسب سياقها. والله أعلم.
القِصّة القرآنية والهدف العام من نزول القرآن
يمتاز القصص القرآني عن غيره من القصص في نقطة مركزية، هي: قضية الهدف والغرض الذي جاء من أجله القصص في القرآن، وتنعكس هذه النقطة ـ كما سوف نتبين ـ على خصائص وميزات اُخرى.
فالقرآن لم يتناول القِصّة باعتبار أنّها عمل (فني) مستقل في موضوعه وطريقة التعبير فيها.
كما أنّه لم يأت بها من أجل الحديث عن أخبار الماضين وتسجيل حياتهم وشؤونهم، أو من أجل التسلية والمتعة كما يفعل المؤرخون أو القصّاصون، وإنّما كان الغرض من القِصّة في القرآن الكريم هو: المساهمة مع جملة الأساليب العديدة الأُخرى التي استخدمها القرآن الكريم؛ لتحقيق أهدافه وأغراضه الدينية التي جاء من أجلها، وكان القِصّة القرآنية من أهمّ هذه الأساليب.
فالقرآن الكريم ـ كما ذكرنا في بحثنا عن (الهدف من نزول القرآن) ـ يمثّل رسالة دينية تهدف ـ قبل كلّ شيء ـ إلى إيجاد عملية التغيير بأبعادها المختلفة، والتي لخصناها بالأمور التالية:
1ـ إيجاد التغيير الاجتماعي الجذري.
2ـ بيان المنهج الصحيح للحياة الإنسانية الذي يتمّ على أساسه هذا التغيير، والذي يعبّر عنه القرآن الكريم بـ (الصراط المستقيم) .
3ـ خلق القاعدة الثورية القادرة على تحمّل المسؤولية (1) .
وقد كان لهذا الهدف آثار ونتائج متعدّدة انسحبت على أساليب ومناهج القرآن، يمكن أن نلاحظها في القضايا والظواهر القرآنية التالية:
1ـ طريقة نزول القرآن التدريجي.
2ـ طريقة عرض الأفكار والأحكام والقضايا والمفاهيم المختلفة.
3ـ ربط نزول القرآن بالأحداث والوقائع والأسئلة المسماة بـ (أسباب النزول) .
4ـ ظاهرة نزول القرآن باللغة العربية دون غيرها من اللغات.
5ـ ظاهرة اختلاف أسلوب القرآن في عرض الموضوعات في الإطناب والتفصيل، أو القصر والإيجاز.
6ـ ظاهرة اسلوب القرآن في المزج بين الصور والمشاهد المتعدّدة، وكذلك الموضوعات المختلفة في مقطع واحد.
7ـ ظاهرة الاختلاف في الاسلوب والمضمون بين القسم المكي من القرآن والقسم المدني منه.
8ـ وجود ظاهرة النسخ، وظاهرة المحكم والمتشابه، وظاهرة التخصيص والتقييد.
9ـ ظاهرة تناول بعض التفاصيل في الأحكام الشرعية.
10ـ ظاهرة طرح بعض القضايا ذات الطابع الشخصي في حياة النبي صلى الله عليه وآله وسلم.
وقد نتج عن ذلك نشوء كثير من الدراسات القرآنية، مثل: دراسة الناسخ والمنسوخ، والمحكم والمتشابه، والمكّي والمدنيّ، أساب النزول، أو غير ذلك من الدراسات الفنية ذات العلاقة باسلوب القرآن.
وقد تأَثرت القِصّة في القرآن ـ أيضًا ـ بهذا الهدف العام من نزول القرآن كما سوف نتبين، ولذا لا بدّ لنا حين نريد أن ندرس القِصّة القرآنية، ونتعرّف على مزاياها وخصائصها الرئيسة أن نضع أمامنا هذا الهدف القرآني العام؛ لنتعرّف من خلاله على الاسلوب الذي اتّبعه القرآن، والمضمون الذي تناوله في عرضه القِصّة القرآنية مساهمة منه في تحقيق هذا الهدف.?
الحمد لله رب العالمين والسلام على العباد الصالحين، وبعد: