فهرس الكتاب

الصفحة 1375 من 4557

لكل شيء قصة في التكوين والتغيير والتطوير من البداية إلى النهاية، والتاريخ معرض مشحون بالقصص المختلفة الأنواع والألوان، والمرء يتعلق بماضيه برباط قصصي محكم تراوده بأحداثها وشخوصها وتطبع أحاسيسه بمؤثراتها وتبقى ماثلة بأعيائها للعيان بحيث يصعب تخطيها وتناسيها.

وفي سن مبكرة يسمع الصغير أنواعًا من القصص ويتعلق بها حتى ينام عليها، وهذا أهم الأسباب في الانصراف للأبوين والجدين الكبيرين.

ولقد أدرك الناس مدى تأثير القصة في التعليم والتربية، وكان من السهل فهم المقاصد والمطالب بطريق السرد القصصي، وكان من السهل أيضًا سبر أغوار النفس لإيقاظها وتربيتها وتوجيهها.

فليس غريبًا على القرآن إذن أن يدخل ميدان القصة من القمة وبطرق أنواعًا ويسلك ميادين فيعرض لتكوين السموات والأرضيين في الحياتين الدنيوية والأخروية ويعرض قضية الحياة والموت وتاريخ الإنسان وصراعه الداخلي والخارجي مع نفسه ومع عدوه الشيطان. والله المستعان. ... أ - القصة في اللغة:

قال الراغب في مفرداته: القص تتبع الأثر، والقصص الأثر، والقصص الأخبار. وما ذكره ابن فارس في مقاييسه قريب من هذا.

أما لسان العرب فقد فصل وأطال ونقل من الكتاب والسنة والأخبار والأمثال، والنقول والأقاويل ومن زبدة ما قال، (القصة) : الخبر والقصص: الخبر المقصوص- بالفتح - وضع موضع المصدر حتى صار أغلب عليه والقصص بكسر القاف: جمع القصة.

ب - القصة في الاصطلاح:

عرفها بعضهم بقوله: أخبار عن أحوال الأمم الماضية والوقائع الحاضرة والحوادث السابقة. وهذا التعريف \"وأشباهه\"مأخوذ من أنواع القصة، والتعريف الذي أراه مناسبًا في جمعه ومنعه هو أن القصة: خبر عن حوادث حسية ونفسية تدور حول شخوص محدودة الزمان والمكان.

والمراد بالخبر هو العلم المنقول حكاية ورواية، والحوادث هي الظواهر المحسوسة أي المدركة بحاسة من الحواس المعروفة، والحوادث النفسية هي الباطنية في الضمائر والنيات والمشاعر، والشخوص هي الشخصيات أفرادًا وجماعات، وحدود الزمان هي البداية والنهاية المحدودة بوحدة زمنية كاليوم والشهر والسنة، وحدود المكان المساحة من طول وعرض مع الارتفاع في الحجم.

خصائص القصة القرآنية:

1-القصة القرآنية حقيقية في وقوعها وصادقة في خبرها فليست خيالًا ولا كذبًا.

ولقد تجرأ باحث مع مشرفه في جامعة عربية على اتهام القصة القرآنية بالخيالية بدعوى أن الحرية الفنية تقتضي عدم التقيد بالصدق، وبناء على ذلك ينبغي أن لا تكون قصص الأنبياء حقائق بل القصة القرآنية هي تصوير للواقع النفسي لا للحوادث وأنها حرب أعصاب.. بل أفرطوا في جراءتهم واتهامهم بوجود أساطير وحوادث ملفقة ومكذوبة، بالإضافة إلى دعوى أن مصدر القصة القرآنية هي كتب الأديان الأخرى والحكايات الشعبية والأفراد العاديون… وحينما استفتي علماء الأزهر في شأن هذه الرسالة لم يترددوا في الإجماع على كفر الباحث والمشرف معًا.

2-حسن الاختيار بعرض الوجه الأحسن من القصة والإعراض عما لا خير فيه فضلًا عن الشر، ولذلك تسمى القصص القرآنية أحسن القصص.

وهذه ميزة للقرآن بخلاف المعهود المعدود في الكتب الأخرى كالتوراة والإنجيل حيث تعرض القصة كاملة بخيرها وشرها، ولقد حوت قصص أهل الكتاب نتيجة لذلك على كثير من الجوانب الضارة في التعليم والتربية.

والتوجيه واضح في تحديد غرض أو أغراض القصة القرآنية من حيث التكليف للدعوة والتعليم والتربية.

3-التفاوت في العرض طولًا وقصرًا فمثلًا سورة نوح في قصة واحدة وهذه القصة ذكرت في آية واحدة هي قوله: {إنا لما طغى الماء حملناكم في الجارية} .

4-التقطيع بعرض المشاهد منفصلة غير متصلة وغير متسلسة وهذا يعني عدم مراعاة التسلسل التاريخي والترتيب الزمني لحوادث القصة كما هو شأن كتب التاريخ وكما هو حال التوراة والإنجيل.

5-تكرير القصة لفظًا ومعنى أو التكرير بالمعنى، والثاني هو الغالب والذي يسوغ التكرار تنوع السياق سباقًا ولحاقًا، ومعلوم أن التكرير وإن كان من عيوب الكلام من وجه فإنه من وجه آخر أدل على البلاغة وأجل في الإعجاز، فإذا كانت البلاغة تحقق في وجه واحد من البيان فإن عرض ذات الموضوع وقد ازداد في قوة الإعجاز وتعدد وجوهه لأن الكلام المعجز في بيانه الأول إذا أضيف إليه وجوه أخرى تعدد وتقوى مع العلم أن التكرير بصورة عامة وتكرير القصة بوجه خاص ينصرف إلى ترسيخ المعاني والتأكيد على الأغراض لتعميق الآثار.

فوائد القصة القرآنية:

للقصة القرآنية فائدة مهمة تتعلق بالداعية الأول ومن تبعه من الدعاة من حيث الإعداد والتربية وهذه الفائدة هي التسلية بدفع الهم والحزن والخوف، {وكلًا نقص عليك من أنباء الرسل ما نثبت به فؤادك وجاءك في هذه الحق وموعظة وذكرى للمؤمنين} 120هود، ولقد كان الرسول صلى الله عليه وسلم في وضع شديد في نفسه بسبب موقف قومه ووصل به الحال كما قال تعالى: { فلعلك باخع نفسك على آثارهم إن لم يؤمنوا بهذا الحديث أسفًا} .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت