ولقد راجعت العهد القديم ، في المواضع التى جاء ذكرها في السؤال [ سفر التكوين: 8: 10 ، 11 ، 10: 22 ـ 25 ، 11: 13 ـ 26 ] وهى تحكى عن قبائل نوح ، ومواليد ابنه سام ، فلم أجد فيها ذكرًا للملك ( النمروذ ) .
وفى ( دائرة المعارف الإسلامية ) التى كتبها المستشرقون ، وقد حرر مادة ( إبراهيم ) فيها ( ج . ايزبرغ ) ، يأتى ذكر الملك نمروذ في قصة إبراهيم دون اعتراض ، وفى أثنائها إشارات إلى مصادر عبرية أشارت إلى النمروذ ، منها ( دلالة الحائرين ) لموسى بن ميمون: الفصل 29 .. ومنها ( سفر هياشار ) : فصل نوح ..
وتأتى الإشارة إلى ( نمروذ ) الملك في سفر التكوين ـ بالعهد القديم ـ الأصحاح 10: 8 ـ 11 باعتباره"الذى ابتدأ يكون جبارًا في الأرض".. وبه كان يضرب المثل في التجبر .."وان ابتداء مملكته بابل وآرك وأكد وكلنة من أرض شنغار . من تلك الأرض خرج أشور وبنى نينوى .."الخ .. الخ .
وأخيرًا .. فليس هناك ما يمنع تكرار الاسم ـ ( نمروذ ) ـ لأكثر من ملك في أكثر من عصر وتاريخ .. ويبقى أن الشبهة ـ إذا كانت هناك شبهة ـ خاصة بالقصص التاريخى .. ولا علاقة لها بالقرآن الكريم
قوله تعالى عن المسيح عيسى بن مريم عليه السلام: ( و يكلم الناس في المهد ( [ آل عمران: 46 ] ، حيث روى الرازي عن اليهود و النصارى أنهم ينكرون أن عيسى تكلم في زمن الطفولة ، و يحتجون بأن هذا لو حدث لكان من الوقائع العجيبة التي تنقل بالتواتر796 .
-الجواب:
1-أن هذا الآيات تليت على اليهود في زمن النبي ( ,وكان فيهم العلماء والأحبار فلم ينكر أحد منهم هذا الأمر.
2-كيف يُحاكم القرآن المحفوظ بحفظ الله له بكتب أهل الكتاب , التي ملئت تحريفا وزيفا , بل طال التحريف عندهم كتبهم المقدسة ، هذا لا يقبله عقل ، ومثل هذا كمثل عالم كبير السن والقدر والاطلاع ، تكلم في قضية ، فقال له الناس:نحن نخالفك بهذا ؛لأن عندنا كتابا محرفا لا ندري من ألفه ملئ بالأخطاء يخالف ما تقول ؟!!.
فإن كان هذا لا يجوز في حق البشر فكيف بخالق البشر،
يقول د.بلتاجي: (لو أن خلف الله يحاكم آيات القرآن الكريم إلى شيء يقيني لكان له وجه فيما يذكره ، لكنه يحاكمها إلى التواريخ القديمة وما عند اليهود والنصارى عنها.. فما قوله فيما في هذه التواريخ القديمة من خرافات وأساطير وأوهام آمنت بها البشرية أجيالً طويلة ، ثم تبين ضلالها وكذبها) (798) ؟.
3-دعوى أن هذا مطبق عليه عندهم منقوضة بما حصل من اليهود والنصارى في زمن النبي ( , من الإقرار عليه وعدم إنكاره ، مع حرصهم الشديد على مخالفته في ما هو أقل من ذلك.
4- (إن الرازي لم يترك هذه الشبهة دون رد ، و بالتالي لم يكن من الذين يقولون بها على سبيل الإيمان أو الاقتناع ، فقد قال: أجاب المتكلمون عن هذه الشبهة , و قالوا: إن كلام عيسى عليه السلام في المهد , إنما كان للدلالة على براءة حال مريم عليها السلام من الفاحشة، و كان الحاضرون جمعًا قليلين ، فالسامعون لذلك الكلام كان جمعًا قليلًا ، و لا يبعد في مثله التواطؤ على الإخفاء . ،وقال: والجواب أن تواريخ موسى وفرعون قد طال العهد بها ، واضطربت الأحوال والأدوار , فلم يبق على كلام أهل التاريخ اعتماد في هذا الباب ، فكان الأخذ بقول الله تعالى أولى) (799) .
5-(إن عدم تسجيل التاريخ البشري لواقعة تكلم عيسى في المهد لا يعتبر دليلًا قاطعًا لعدم حدوث ذلك ، حتى يدعي أحد تكذيب القرآن في الإخبار به ، و يصح ادعاؤه .
أما فيما يتصل بالتواريخ البشرية , فمما لاشك فيه أنها أهملت تسجيل كثير من الأحداث الفردية - مهما تكن أهميتها في ذاتها - حيث لم يتوفر لها من الشهادة الصادقة , و توفر سبل الإذاعة ، و النقل , و البقاء على مر العصور ما يكفل لها ذلك .