فهرس الكتاب

الصفحة 1144 من 4557

وقد أدير الحديث فيها على تشبيه المخاطبين (المنافقين والكفار) بالأمم الغابرة ، كانت أشد منهم قوة ، وأكثر مالًا وولدا ، وانغمسوا في شهواتهم الفانية ، فسار المنافقون والكفار سيرتهم فركنوا إلى متع الحياة الدنيا الفانية ، ولم يبتغوا ما عند الله ، وأن المنافقين والكفار فعلوا كل ما فعله من قبلهم من المعاصى والسيئات.

ثم بين الله عز وجل أنهم الخاسرون في الدنيا والآخرة فالذى معنا في الآية فريقان:

-فريق سابق في الزمن ، لم يكن موجودًا في عصر نزول القرآن.

-فريق كان حاضرًا في عصر نزول القرآن ، وهم الذين خاطبهم الله في هذه الآية الكريمة. وليس في هذه الآية فريق ثالث تحدثت عنه الآية.

ومن هذا يتضح أن تعقيب خصوم القرآن على هذه الآية ، بأن الصواب أن يقال:"وخضتم كالذين خاضوا"فاسد من كل الوجوه ؛ لأن معنا في الآية فريقان لا ثلاثة ، ولو قيل:"خضتم كالذين خاضوا"لانفكت رابطة الكلام ، ولبرز في النظم طرف ثالث لا وجود له في سياق الآية.

بيان ذلك:

أن المقارنة جرت في الآية بين الفريقين"المنافقين والكفار"و"الأمم الغابرة". ودارت المقارنة على هذا المنهج:

-فاستمتعوا بخلاقهم.

-فاستمتعتم بخلاقكم.

-كما استمتع الذين من قبلكم بخلاقهم.

-وخضتم كالذى خاضوا.

والمعنى: وخضتم خوضًا مثل خوضهم (3) .

فالذى في الآية اسم موصول مفرد ، يعود على المصدر المفهوم من الفعل الماضى"خضتم"فشبه الله عز وجل خوض المنافقين بخوض الذين من قبلهم. وهذا هو النسق الذى دارت عليه المقارنة في الآية تشبيه سلوك اللاحقين بسلوك السابقين من الأمم الغابرة ، التى عتت عن أمر ربها وعصت رسله.

واختار الإمام الشوكانى أن المعنى:"كالخوض الذى خاضوا" (4) ، ومن قبله قال الإمام الزمخشرى:"وخاضوا فخضتم كالذى خاضوا" (5) .

هذا هو الحق في هذه العبارة ، لا كما قال خصوم القرآن الكارهون لما أنزل الله عز وجل.

منشأ هذه الشبهة:

هو قوله تعالى: (وأنفقوا مما رزقناكم من قبل أن يأتى أحدكم الموت فيقول ربِّ لولا أخرتنى إلى أجل قريب فأصدَّق وأكن من الصالحين ) (1) .

وشاهد هذه

الشبهة - عندهم - هو قوله تعالى:"وأكن"لأنه محذوف الواو ساكن النون ، وهو فعل معتل الوسط بالواو (أجوف) ولا يحذف الواو منه إلا إذا سكن آخره ، ولا يسكن آخره إلا إذا كان مجزومًا ، ويجزم المضارع إذا دخل عليه جازم أو عطف على مجزوم.

ولما لم يدخل على الفعل - هنا - جازم ، ولم يتقدم عليه مجزوم يصح جزمه بالعطف عليه ، ساغ لخصوم القرآن أن يقولوا إن هذا الفعل"أكن"جزم مع أن المعطوف عليه منصوب ، وهو الفعل"فأصدق"وعلقوا على هذا فقالوا:"كان يجب أن ينصب الفعل المعطوف على المنصوب فيقال:"فأصدق وأكون"."

الرد على الشبهة:

لفتت هذه الآية أنظار النحاة والمفسرين ، وقد اختلفت توجيهاتهم لورود الفعل المجزوم مردوفًا على الفعل المنصوب ، مع اتفاقهم جميعًا على صحة هذا التركيب نحويًا لأن نظم القرآن مشهود له بالصحة من ألد خصومه الذين بلغوا الذروة في الفصاحة والبلاغة ، وهم مشركو العرب ، حيث لم يُرو عنهم أنهم طعنوا في القرآن في صحة أساليبه ، وضروب تراكيبه ، والتسليم له بالسمو والرفعة في هذا المجال.

فعلى كثرة ما اتهموه بأنه سحر ، أو شعر ، أو أساطير الأولين تملى على النبى صلى الله عليه وسلم بكرة وأصيلا لم يذكروا - قط - أن به أخطاء لغوية ، أو نحوية أو صرفية أو بيانية ، بل على العكس من ذلك نراهم أثنوا عليه على لسان الوليد بن المغيرة ، لما سمع من النبى صلى الله عليه وسلم الآيات الأولى من سورة"فصلت"حين نفى عنه كل عيب أو نقص في أساليبه ونظمه المحكم البديع ولو كان ما يؤخذه خصوم القرآن - الآن - من الشبهات التى نعرض لها - هنا - حقًا لبادروا بإعلانها ، ولاتخذوها حربًا ضروسًا ضده. وسكوتهم المطبق عن ذكر عيوب من هذا القبيل تسليم منهم له بالسلامة من جميع الأخطاء ، وهذه هى عقيدة الأمة وكل العقلاء المنصفين ، وقد أشرنا من قبل إلى أن القرآن أوسع من قواعد اللغة وأسمى من أساليب البيان المعروفة عند البشر فإذا ورد فيه شىء على غير قاعدة نحوية أو صرفية معروفة لدى الناس ، فليس معناه أن القرآن قد أخطأ أو سها. لأن القرآن نفسه مصدر من مصادر إثبات اللغة في نفسها وفى طرق استعمالاتها.

فما جاء منه على ما نعرفه أو نألفه من القواعد فلا مشاحنة فيه. وما جاء على غير ذلك وجب الإيمان بصحته ، وعلينا أن نجتهد في التماس العلة فيه ، فإن أدركناها فالحمد لله وإلا فوضنا الأمر فيها لله ، كما هو في بعض المتشابهات القرآنية من الألفاظ والمعانى ، كما قال عز وجل: (هو الذى أنزل عليك الكتاب منه آيات محكمات هن أم الكتاب وأخر متشابهات فأما الذين في قلوبهم زيغ فيتبعون ما تشابه منه ابتغاء الفتنة وابتغاء تأويله

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت