وعن خنساء بنت خذام قالت: « أنكحني أبي وأنا كارهة وأنا بكر، فشكوت ذلك للنبي فقال: لا تنكحها وهي كارهة » ، وروي أنه: «كانت امرأة من الأنصار تحت رجل من الأنصار فقتل عنها يوم أحد وله منها ولد، فخطبها عم ولدها ورجل إلى أبيها، فأنكح الرجل وترك عم ولدها، فأتت النبي فقالت: أنكحني أبي رجلًا لا أريده، وترك عم ولدي، فيؤخذ مني ولدي، فدعا النبي أباها فقال: أنكحت فلانًا فلانة ؟ قال: نعم. قال: أنت الذي لا نكاح لك. اذهبي فانكحي عم ولدك» . ويقول ابن القيم عن حديث النبي: « وسألته عائشة رضي الله عنها عن الجارية ينكحها أهلها، أتستأمر أم لا ؟ فقال: نعم تستأمر. قالت عائشة رضي الله عنها: فإنها تستحي، فقال: فذاك إذنها إذا هي سكتت » متفق عليه. وبهذه الفتوى نأخذ، وأنه لا بد من استئمار البكر، وقد صح عنه: « الأيم أحق بنفسها من وليها، والبكر تستأمر في نفسها، وإذنها صماتها. وفي لفظ: والبكر يستأذنها أبوها في نفسها، وإذنها صماتها » وفي الصحيحين عنه: «لا تنكح البكر حتى تستأذن قالوا: وكيف إذنها ؟ قال أن تسكت » . « وسألته جارية بكر، فقالت: إن أباها زوجها وهي كارهة ، فخيرها النبي ؛ فقد أمر باستئذان البكر، ونهى عن إنكاحها بدون إذنها ، وخير من نكحت ، ولم تستأذن » ، فكيف بالعدول عن ذلك كله ومخالفته». واهتمام الإسلام بقضية الاختيار بين الزوجين هو في الحقيقة اهتمام بالنواة الأساسية المكونة للأسرة، فبداية الأسرة برجل وامرأة اجتمعا على قدر كبير من التفاهم، مما يؤثر في الأسرة عندما تكبر وتتعدد أطرافها، والأسرة هي اللبنة الأساسية للمجتمع، وعلى هذا الأساس السليم تنشأ الحضارات وتعلو القيم.
ويشهد لأهمية المرأة في تكوين المجتمع المسلم قول أمير الشعراء أحمد شوقي:
الأم مدرسة إذا أعددتها أعددت شعبا طيب الأعراق وكما أعطى الإسلام المرأة الحق في اختيار زوجها أعطاها الخيار في البقاء معه أو فراقه عندما تسوء العشرة بينهما ولا يمكن التوفيق والصلح ولهذا شرع الطلاق لمصلحة المرأة والرجل على السواء.
فمن المفاهيم الشائعة عن الإسلام ونظامه في الأسرة أن الرجل وحده هو الذي يملك حق إنهاء العلاقة الزوجية، وهو وحده صاحب قرار الطلاق، وأن المرأة لا تملك هذا الحق، والحقيقة غير ذلك تمامًا.
فإن التشريع الإسلامي في نظامه الفريد أعطى المرأة حق إنهاء العلاقة الزوجية كما أعطى للرجل ذلك، وجعل لإنهاء العلاقة الزوجية من قبل المرأة عدة أشكال؛ فللمرأة الحق في أن تشترط على زوجها أن تكون العصمة بيدها ـ بمعنى أن أمر الطلاق لها فتطلق نفسها وقت ما تشاء ـ وفي هذه الحالة تطلق المرأة نفسها وتستحق جميع حقوقها، وكأن الزوج هو الذي طلقها، فلا ينقص من حقها شيء، ولها كذلك أن تطلب التفريق بينها وبين زوجها للضرر، إذا لحقها منه ضرر بالغ فيفرق بينهما القاضي، وتستحق كذلك جميع حقوقها دون أي نقصان، ولها كذلك أن تختلع ،وفي هذه الحالة فقط تنفصل المرأة عن الرجل، ولكنها تتنازل عن حقوقها لعدم وجود سبب لإنهاء العلاقة الزوجية؛ فليس من العدل حينئذ تغريم الرجل بالمستحقات، وهو متمسك بالعشرة بينهما. وقد دل على هذه صور تخيير المرأة في قرار الانفصال نصوص كثيرة منها، ما روي عن ابن عباس: «أن زوج بريرة كان عبدًا يقال له مغيث: كأني أنظر إليه يطوف خلفها يبكي ودموعه تسيل على لحيته، فقال النبي لعباس يا عباس ألا تعجب من حب مغيث ببريرة ومن بغض بريرة مغيثا ؟ فقال النبي:«لو أرجعته ؟ قالت: «يا رسول الله أتأمرني؟ قال: «إنما أنا أشفع» قالت: فلا حاجة لي فيه»، وذلك لما علمت أن كلامه ليس أمرًا، وإنما هو مشورة تخيرت تركه، حيث كان من حقها تركه بعد أن أصبحت حرة. وجاءت امرأة ثابت ابن قيس إلى النبي فقالت: «يا رسول الله، ما أنقم على ثابث في دين ولا خلق إلا أني لا أحبه، فقال: فتردين عليه حديقته ؟ فقالت: نعم، فردت عليه حديقته وأمره ففارقها » . هذا في إيضاح موجز لمسألة اختيار المرأة لزوجها واحترام إرادتها إذا أرادت فراق زوجها.
وعليه فلا يجوز للأب أو لأي أحد من باب أولى أن يجبر ابنه أو ابنته على الزواج بمن يكرهان، وللمرأة إنهاء العلاقة الزوجية بالأشكال المذكورة والله تعالى أعلى وأعلم.
الصلاة عبادة شرعها الله بكيفيتها وهيئتها لم يجتهد في رسمها أحد، وجعل الله لها شروط صحة، وجعل كون الإمام ذكرًا شرطًا لصحة صلاة الجماعة، وليس حقًا للرجل، ولا انتقاصًا للمرأة، بل هذا أمر تعبدي في المقام الأول.