فهرس الكتاب

الصفحة 1267 من 4557

أن النسئ في الآية هو ما كان يفعله المشركون من تبديل الأشهر الحرم مكان الأشهر الحلال ليستحلوا بذلك القتال فيها ، ولا علاقة له بالأيام التى تضبط السنة القبطية للزراعة ، ومن هنا يتبين مدى محاولة التلبيس والتدليس الذى يضحك منها العارفون مع حزنهم أن يصل الترصد ضد كلام الله سبحانه والعمل على أن لا يصل إلى الخلق باعتباره ـ الكلمة الأخيرة للعالمين ـ إلى هذا الحد الرخيص من التلاعب بالألفاظ والمصطلحات.

(الشبكة الإسلامية)

في موضوع المحكم والمتشابه نقرأ الآيات الكريمات، قوله تعالى: { هو الذي أنزل عليك الكتاب منه آيات محكمات هن أم الكتاب وأخر متشابهات } (آل عمران:7) وقوله أيضًا: { كتاب أحكمت آياته ثم فُصِّلت من لدن حكيم خبير } (هود:1) .

و ( المحكم ) و ( المتشابه ) لفظان متقابلان، إذا ذُكِرَ أحدهما استدعى الآخر ضرورة. وهما بحثان رئيسان من أبحاث علوم القرآن، أفاض العلماء القول فيهما، وتفاوتت أنظارهم في تعريفهما وحقيقتهما، وهما كذلك بحثان مهمان من أبحاث أصول الفقه .

و ( المحكم ) من حيث اللغة، مأخوذ من حَكَمْتُ الدابة وأحكمتها، بمعنى أحكمت وثاقها، ومنعتها من التفلُّت والهرب. وإحكام الكلام: إتقانه وتمييز الصدق فيه من الكذب .

أما ( المحكم ) اصطلاحًا، فقد اختلفت أنظار أهل العلم في تعريفه، فقال بعضهم: هو ما عُرِفَ المراد منه؛ وقال آخرون: هو ما لا يحتمل إلا وجهًا واحدًا؛ وعرَّفه قوم بأنه: ما استقلَّ بنفسه، ولم يحتج إلى بيان. ويمكن إرجاع هذه التعريفات إلى معنى واحد، هو معنى البيان والوضوح .

و ( المتشابه ) لغة، مأخوذ من الشبه والتشابه، تقول: فلان يشبه فلانًا، أي: يماثله، وله من الصفات ما للآخر. وعلى هذا، فتشابه الكلام تماثله وتناسبه، بحيث يصدِّق بعضه بعضًا .

أما تعريف ( المتشابه ) اصطلاحًا، فعرفه بعضهم بأنه: ما استأثر الله بعلمه، وعرفه آخرون بأنه: ما احتمل أكثر من وجه، وقال قوم: ما احتاج إلى بيان، بردِّه إلى غيره .

وبناءً على التعريف اللغوي لكلٍ من ( المحكم ) و ( المتشابه ) يتضح أنه لا تنافي بين ( المحكم ) و ( المتشابه ) من جهة المعنى اللغوي؛ فالقرآن كله محكم، بمعنى أنه متقن غاية الإتقان، وهو كذلك متماثل ومتشابه، بمعنى أنه يصدِّق بعضه بعضًا .

ثم إن المتشابه أنواع، فهناك متشابه من جهة اللفظ، وهناك متشابه من جهة المعنى، وهناك متشابه من جهة اللفظ والمعنى معًا. وتفصيل هذه الأنواع باختصار وفق الآتي:

-أن المتشابه من جهة اللفظ هو الذي أصابه الغموض بسبب اللفظ، وهو نوعان:

أحدهما: يرجع إلى الألفاظ المفردة؛ إما لغرابة ذلك اللفظ، كلفظ ( الأبّ ) في قوله تعالى: { وفاكهة وأبًّا } (عبس:31) ولفظ ( الكلالة ) في قوله سبحانه: { وإن كان رجل يورث كلالة } (النساء:12) فلفظ ( الأبّ ) في الآية الأولى، ولفظ ( الكلالة ) في الآية الثانية من الألفاظ المتشابهة التي تحتاج إلى بيان وتوضيح. وإما لاشتراك ذلك اللفظ في عدة معان، كلفظ ( اليمين ) في قوله سبحانه: { فراغ عليهم ضربا باليمين } (الصافات:93) أي: فأقبل إبراهيم على أصنام قومه ضاربًا لها باليمين من يديه لا بالشمال، أو ضاربًا لها ضربًا شديدًا بالقوة؛ لأن اليمين أقوى الجارحتين، أو ضاربًا لها بسبب اليمين التي حلفها، ونوه بها القرآن، إذ قال: { وتالله لأكيدن أصنامكم بعد أن تولوا مدبرين } (الأنبياء:57) كل ذلك جائز، ولفظ ( اليمين ) مشترك بينها. ومثل ذلك يقال في الألفاظ المشتركة مثل ( العين ) و ( القرء ) فلفظ ( العين ) يطلق على العين الباصرة، ويطلق على العين الجارية، ويطلق على الجاسوس؛ وكذلك لفظ ( القرء ) يطلق على الحيض، ويطلق على الطُّهر، وكل هذه الألفاظ وما شاكلها من المتشابه، الذي لا يُعرف معناها إلا من خلال السياق الذي وردت فيه، أو عن طريق القرائن التي حُفت بها.

والثاني: يرجع إلى جملة الكلام وتركيبه، من بسط واختصار ونظم؛ نحو قوله تعالى: { وإن خفتم ألا تقسطوا في اليتامى فأنكحوا ما طاب لكم } (النساء:3) وقوله سبحانه: { الحمد لله الذي أنزل على عبده الكتاب ولم يجعل له عوجا } (الكهف:1) ففي الآية الأولى خفاء في المراد، جاء من ناحية إيجاز اللفظ، والأصل: وإن خفتم ألا تقسطوا في اليتامى لو تزوجتموهن، فانكحوا من غيرهن ما طاب لكم من النساء. ومعناه: أنكم إذا تحرجتم من زواج اليتامى؛ مخافة أن تظلموهن، فأمامكم غيرهن، فتزوجوا منهن ما طاب لكم؛ وفي الآية الثانية وقع التشابه في ترتيب الآية ونظمها؛ فإن الخفاء هنا جاء من جهة الترتيب بين لفظ { قيمًا } وما قبله، ومعنى الآية: أنزل على عبده الكتاب قيمًا، ولم يجعل له عوجًا .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت