فهرس الكتاب
- 📄
- 📄
فالمراد بقوله { مِمَّا غَنِمْتُمْ } إما الفدية وإما مطلق الغنائم ، والمراد بيان حكم ما اندرج فيها من الفدية ، وإلا فحل الغنيمة مما عداها علم سابقًا من قوله: { واعلموا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ } وقيل المراد بقوله: { مِمَّا غَنِمْتُمْ } الغنائم من غير اندراج الفدية فيها ، لأن القوم لما نزلت الآية الأولى امتنعوا عن الأكل والتصرف فيها تزهدًا منهم ، لا ظنًا لحرمتها . . والفاء للعطف على سبب مقدر ، أى قد أبحت لكم الغنائم فكلوا مما غنمتم .
والمعنى: لقد عفوت عنكم - أيها المؤمنون - فيما وقعتم فيه من تفضيلكم أخذ الفداء من الأسرى على قتلهم ، وأبحث لكم الانتفاع بالغنائم فكلوا مما غنمتم من أعدائكم حلالا طيبًا ، أى لذيذًا هينئًا لا شبهة في أكله ولا ضرر { واتقوا الله } فى كل أحوالكم بأن تخشوه وتراقبوه { إِنَّ الله غَفُورٌ رَّحِيمٌ } ولذا غفر لكم ما فرط منكم وأباح إليه توبة صادقة .
وقوله { حَلاَلًا } حال من"ما"الموصولة في قوله: { مِمَّا غَنِمْتُمْ } أو صفة لمصدر محذوف ، أى: أكلًا حلالا .
ووصف هذا المأمور بأكله بأنه حلال طيب ، تأكيدًا للإِباحة حتى يقبلوا على الأكل منه بدون تحرج أو تردد ، فإن معاتبتهم على أخذ الفداء قبل ذلك جعلتهم يترددون في الانتفاع به وبما غنموه من أعدائهم .
وإذْ قالوا اللهمَّ إنْ كان هذا هو الحقُّ من عندك فأَمطِر علينا حجارةً من السماء، أو ائْتِنا بعذابٍ أليم. وما كان الله ليُعذِّبهم وأنت فيهم وما كان الله ليعذّبهم وهم يستغفرون (آيتا 32 ، 33) . (هذه الآية مكية بالرغم من وجودها في سورة مدنيّة الطبري) .
-1 - طلب أهل مكة من محمد أن يأتيهم بمعجزة فلم يفعل، فطلبوا منه أن يأتي بالخير لنفسه فلم يفعل. ولما يئس القوم منه. قالوا له: اللهم، إن كان هذا هو الحق من عندك فأمطر علينا حجارة من السماء. فأورد محمد كلامهم وقال إن الله أنزله عليه. ثم قال لهم: وما كان الله ليعذّبهم وأنت فيهم . ولما هاجر للمدينة وخشي أن ينكشف أمره قال: وما كان الله ليعذّبهم وهم يستغفرون (الطبري في تفسير الآيتين 32 و33 والسيوطي والواحدي في سبب نزولهما) .
-2 - تعلمنا التوراة أن الخطية فعل شنيع، فالله قد عاقب اليهود لأن واحدًا منهم أخطأ وخالف أمر الله (أنظر قصة عخان بن كرمى في يشوع 7) . ولم يحاول أيُّ نبيٍّ أن يجد أعذارًا للكفَّار من قومه، خاصةً وأنهم طلبوا العذاب بأنفسهم
الرد
وإذ قالوا: اللهم إن كان هذا هو الحق من عندك، فأمطر علينا حجارة من السماء، أو ائتنا بعذاب أليم ..
وهو دعاء غريب؛ يصور حالة من العناد الجامح الذي يؤثر الهلاك على الإذعان للحق، حتى ولو كان حقًا! إن الفطرة السليمة حين تشك تدعو الله أن يكشف لها عن وجه الحق، وأن يهديها إليه، دون أن تجد في هذا غضاضة.
ولكنها حين تفسد بالكبرياء الجامحة، تأخذها العزة بالإثم، حتى لتؤثر الهلاك والعذاب، على أن تخضع للحق عندما يكشف لها واضحًا لا ريب فيه.. وبمثل هذا العناد كان المشركون في مكة يواجهون دعوة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ولكن هذه الدعوة هي التي انتصرت في النهاية في وجه هذا العناد الجامح الشموس!
ويعقب السياق على هذا العناد، وعلى هذا الادعاء، بأنهم مع استحقاقهم لإمطار الحجارة عليهم من السماء وللعذاب الأليم الذي طلبوه - إن كان هذا هو الحق من عنده - وإنه للحق.. مع هذا فإن الله قد أمسك عنهم عذاب الاستئصال الذي أخذ به المكذبين قبلهم. لأن رسول - صلى الله عليه وسلم - بينهم، ولا يزال يدعوهم إلى الهدى. والله لا يعذبهم عذاب الاستئصال والرسول فيهم. كما أنه لا يعذبهم هذا العذاب على معاصيهم إذا كانوا يستغفرون منها؛ وليس تأخير العذاب عنهم لمجرد أنهم أهل هذا البيت. فهم ليسوا بأولياء هذا البيت إنما أولياؤه المتقون:
{ وما كان الله ليعذبهم وأنت فيهم، وما كان الله معذبهم وهم يستغفرون. وما لهم ألا يعذبهم الله وهم يصدون عن المسجد الحرام، وما كانوا أولياءه، إن أولياؤه إلا المتقون، ولكن أكثرهم لا يعلمون، وما كان صلاتهم عند البيت إلا مكاء وتصدية. فذوقوا العذاب بما كنتم تكفرون } ..
إنها رحمة الله تمهلهم فلا يأخذهم الله بعنادهم؛ ولا يأخذهم بصدهم عن المسجد الحرام - وقد كانوا يمنعون المسلمين أن يحجوا إليه، وهم لا يمنعون أحدًا ولا يهيجونه عنه!
إنها رحمة الله تمهلهم عسى أن يستجيب للهدى منهم من تخالط بشاشة الإيمان قلبه - ولو بعد حين - وما دام الرسول - صلى الله عليه وسلم - بينهم، يدعوهم، فهنالك توقع لاستجابة البعض منهم؛ فهم إكرامًا لوجود رسول الله بينهم يمهلون. والطريق أمامهم لاتقاء عذاب الاستئصال دائمًا مفتوح إذا هم استجابوا واستغفروا عما فرط منهم وأنابوا:
{ وما كان الله ليعذبهم وأنت فيهم، وما كان الله معذبهم وهم يستغفرون } ..
فأما لو عاملهم الله بما هم فيه فهم مستحقون لهذا العذاب: