فهرس الكتاب

الصفحة 4218 من 4557

أما الفقهاء الذين أجازوا قضاء المرأة في كل القضايا مثل الإمام محمد بن جرير الطبرى [ 224310 هجرية / 839 923م ] فقد حكموا بذلك"لقياسهم"القضاء على"الفتيا".. فالمسلمون قد أجمعوا على جواز تولى المرأة منصب الإفتاء الدينى أى التبليغ عن رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو من أخطر المناصب الدينية وفى توليها للإفتاء سنة عملية مارستها نساء كثيرات على عهد النبوة من أمهات المؤمنين وغيرهن فقاس هؤلاء الفقهاء قضاء المرأة على فتياها ، وحكموا بجواز توليها كل أنواع القضاء ، لممارستها الإفتاء في مختلف الأحكام.

وهم قد عللوا ذلك بتقريرهم أن الجوهرى والثابت في شروط القاضى إنما يحكمه ويحدده الهدف والقصد من القضاء ، وهو: ضمان وقوع الحكم بالعدل بين المتقاضين.. وبعبارة أبى الوليد بن رشد الحفيد [ 520595 هجرية / 1126 1198م ] : فإن"من رأى حكم المرأة نافذا في كل شئ قال: إن الأصل هو أن كل من يأتى منه الفصل بين الناس فحكمه جائز ، إلا ما خصصه الإجماع من الإمامة الكبرى" (11) .

وخامسها: أن"الذكورة"لم تكن الشرط الوحيد الذى اختلف حوله الفقهاء من بين شروط من يتولى القضاء..

فهم مثلا اختلفوا في شرط"الاجتهاد"فأوجب الشافعى [ 150204 هجرية / 767820م ] وبعض المالكية أن يكون القاضى مجتهدًا.. على حين أسقط أبو حنيفة هذا الشرط ، بل وأجاز قضاء"العامى"أى الأمى في القراءة والكتابة وهو غير الجاهل ووافقه بعض الفقهاء المالكية قياسا على أمية النبى صلى الله عليه وسلم (12) .

واختلفوا كذلك في شرط كون القاضى"عاملا"وليس مجرد"عالم"بأصول الشرع الأربعة: الكتاب ، والسنة ، والإجماع ، والقياس.. فاشترطه الشافعى ، وتجاوز عنه غيره من الفقهاء (13) .

كما اشترط أبو حنيفة ، دون سواه أن يكون القاضى عربيا من قريش (14) .

فشرط"الذكورة"فى القاضى ، هو واحد من الشروط التى اختلف فيها الفقهاء ، حيث اشترطه البعض في بعض القضايا دون البعض الآخر ، وليس فيه إجماع.. كما أنه ليس فيه نصوص دينية تمنع أو تقيد اجتهادات المجتهدين..

وسادسها: أن منصب القضاء وولايته قد أصابها هى الأخرى ما أصاب الولايات السياسية والتشريعية والتنفيذية من تطور انتقل بها من"الولاية الفردية"إلى ولاية"المؤسسة"فلم تعد"ولاية رجل"أو"ولاية امرأة"، وإنما أصبح"الرجل"جزءًا من المؤسسة والمجموع ، وأصبحت"المرأة"جزءًا من المؤسسة والمجموع.. ومن ثم أصبحت القضية فى"كيف جديد"يحتاج إلى"تكييف جديد"يقدمه الاجتهاد الجديد لهذا الطور المؤسسى الجديد الذى انتقلت إليه كل هذه الولايات.. ومنها ولاية المرأة للقضاء..

(1) الراغب الأصفهانى ، أبو القاسم الحسين بن محمد [ المفردات في غريب القرآن ] طبعة دار التحرير ، القاهرة 1991م.

(2) البقرة: 257.

(3) الأعراف: 196.

(4) آل عمران: 68.

(5) الجمعة: 6.

(6) الأنفال: 72.

(7) رواه البخارى ومسلم والإمام أحمد..

(8) التوبة: 71.

(9) النمل: 32.

(10) غافر: 29.

(11) [ بداية المجتهد ونهاية المقتصد ] ج2 ص 494. طبعة القاهرة سنة 1974م. والماوردى [ أدب القاضى ] ج1 ص 625-628 طبعة بغداد سنة 1971م. والأحكام السلطانية ص65 طبعة القاهرة سنة 1973م.

(12) [ بداية المجتهد ونهاية المقتصد ] ج2 ص 493،494.

(13) [ أدب القاضى ] ج 1 ص 643.

(14) محمد محمد سعيد [ كتاب دليل السالك لمذهب الإمام مالك ] ص 190 طبعة القاهرة سنة 1923 م.

الكاتب: أ.د محمود حمدى زقزوق، وزير الأوقاف

شُبهات حول حديث :"لن يفلح قوم ولوا أمرهم امرأة"وردّها

روى البخاري - بإسناده - عن أبي بكرة رضي الله عنه قال: لقد نفعني الله بكلمة سمعتها من رسول الله صلى الله عليه وسلم - أيام الجمل بعد ما كِدت أن ألْحَق بأصحاب الجمل فأقاتل معهم - قال: لما بلغ رسول الله صلى الله عليه وسلم أن أهل فارس قد ملّكوا عليهم بنت كسرى قال: لن يفلح قوم ولوا أمرهم امرأة

ويُورِد بعض أعداء الملّة - من المستشرقين ومن نَحَا نَحْوَهم ولَفّ لفّهم - عِدّة شُبهات حول هذا الحديث ، وسأورِد بعض ما وقَفْتُ عليه من تلك الشبهات ، وأُجيب عنها - بمشيئة الله - .

الشبهة الأولى:

لماذا لم يتذكر أبو بكرة راوية الحديث هذا الحديث إلا بعد ربع قرن وفجأة وفى ظل ظروف مضطربة ؟

الجواب:

لم ينفرد أبو بكرة رضي الله عنه بهذا الأمر ، فقد جاء مثل ذلك عن عدد من الصحابة ، أي أنهم تذكّروا أحاديث سمعوها من النبي صلى الله عليه وسلم ، ولم يرووها إلا في مناسباتها ، أو حين تذكّرها .

فمن ذلك:

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت