فهرس الكتاب

الصفحة 4217 من 4557

أولها: أن ما لدينا في تراثنا حول قضية ولاية المرأة لمنصب القضاء هو"فكر إسلامى"و"اجتهادات فقهية"أثمرت"أحكامًا فقهية".. وليس"دينا"وضعه الله سبحانه وتعالى وأوحى به إلى رسوله صلى الله عليه وسلم ، فالقرآن الكريم لم يعرض لهذه القضية ، كما لم تعرض لها السنة النبوية ، لأن القضية لم تكن مطروحة على الحياة الاجتماعية والواقع العملى لمجتمع صدر الإسلام ، فليس لدينا فيها نصوص دينية أصلًا ، ومن ثم فإنها من مواطن ومسائل الاجتهاد..

ثم إن هذه القضية هى من"مسائل المعاملات"وليست من"شعائر العبادات".. وإذا كانت"العبادات توقيفية"تُلْتَمس من النص وتقف عند الوارد فيه ، فإن"المعاملات"تحكمها المقاصد الشرعية وتحقيق المصالح الشرعية المعتبرة..والموازنة بين المصالح والمفاسد فيها.. ويكفى فى"المعاملات"أن لا تخالف ما ورد في النص ، لا أن يكون قد ورد فيها نص..

ومعلوم أن"الأحكام الفقهية"التى هى اجتهادات الفقهاء ، مثلها كمثل الفتاوى ، تتغير بتغير الزمان والمكان والمصالح الشرعية المعتبرة..

فتولى المرأة للقضاء قضية فقهية ، لم ولن يُغْلَق فيها باب الاجتهاد الفقهى الإسلامى..

وثانيها: أن اجتهادات الفقهاء القدماء حول تولى المرأة لمنصب القضاء هى اجتهادات متعددة ومختلفة باختلاف وتعدد مذاهبهم واجتهاداتهم في هذه المسألة ، ولقد امتد زمن اختلافهم فيها جيلًا بعد جيل..

ومن ثم فليس هناك"إجماع فقهى"فى هذه المسألة حتى يكون هناك إلزام للخلف بإجماع السلف ، وذلك فضلًا عن أن إلزام الخلف بإجماع السلف هو أمر ليس محل إجماع.. ناهيكم عن أن قضية إمكانية تحقق الإجماع أى اجتماع سائر فقهاء عصر ما على مسألة من مسائل فقه الفروع كهذه المسألة هو مما لا يُتَصَوَّر حدوثه حتى لقد أنكر كثير من الفقهاء إمكانية حدوث الإجماع في مثل هذه الفروع أصلًا.

ومن هؤلاء الإمام أحمد بن حنبل [ 164 241 هجرية 780 855 م ] الذى قال:"من ادعى الإجماع فقد كذب !".

فباب الاجتهاد الجديد والمعاصر والمستقبلى في هذه المسألة وغيرها من فقه الفروع مفتوح.. لأنها ليست من المعلوم من الدين بالضرورة أى المسائل التى لم ولن تختلف فيها مذاهب الأمة ولا الفِطر السليمة لعلماء وعقلاء الإسلام..

وثالثها: أن جريان"العادة"فى الأعصر الإسلامية السابقة ، على عدم ولاية المرأة لمنصب القضاء لا يعنى"تحريم"الدين لولايتها هذا المنصب ، فدعوة المرأة للقتال ، وانخراطها في معاركه هو مما لم تجربه"العادة"فى الأعصر الإسلامية السابقة ، ولم يعن ذلك"تحريم"اشتراك المرأة في الحرب والجهاد القتالى عند الحاجة والاستطاعة وتعيُّن فريضة الجهاد القتالى على كل مسلم ومسلمة.. فهى قد مارست هذا القتال وشاركت في معاركه على عصر النبوة والخلافة الراشدة.. من غزوة أُحد [ 3 هجرية 625م ] إلى موقعة اليمامة [ 12 هجرية 633 م ] ضد ردة مسيلمة الكذاب [ 12 هجرية 633 م ] .. وفى"العادة"مرتبطة"بالحاجات"المتغيرة بتغير المصالح والظروف والملابسات ، وليست هى مصدر الحلال والحرام..

رابعها: أن علة اختلاف الفقهاء حول جواز تولى المرأة لمنصب القضاء ، في غيبة النصوص الدينية - القرآنية والنبوية - التى تتناول هذه القضية ، كانت اختلاف هؤلاء الفقهاء في الحكم الذى"قاسوا"عليه توليها للقضاء. فالذين"قاسوا"القضاء على:"الإمامة العظمى"التى هى الخلافة العامة على أمة الإسلام ودار الإسلام مثل فقهاء المذهب الشافعى قد منعوا توليها للقضاء ، لاتفاق جمهور الفقهاء باستثناء بعض الخوارج على جعل"الذكورة"شرطا من شروط الخليفة والإمام ، فاشترطوا هذا الشرط"الذكورة"- في القاضى ، قياسًا على الخلافة والإمامة العظمى.

ويظل هذا"القياس"قياسًا على"حكم فقهى"- ليس عليه إجماع وليس"قياسًا"على نص قطعى الدلالة والثبوت..

والذين أجازوا توليها القضاء ، فيما عدا قضاء"القصاص والحدود"مثل أبى حنفية" [ 80 150 هجرية / 699 767 م ] وفقهاء مذهبه قالوا بذلك"لقياسهم"القضاء على"الشهادة " ، فأجازوا قضاءها فيما أجازوا شهادتها فيه ، أى فيما عدا"القصاص والحدود"."

فالقياس هنا أيضًا على"حكم فقهى"وليس على نص قطعى الدلالة والثبوت..وهذا الحكم الفقهى المقيس عليه وهو شهادة المرأة في القصاص والحدود.. أى في الدماء ليس موضع إجماع.. فلقد سبق وذكرنا في رد شبهة أن شهادة المرأة هى على النصف من شهادة الرجل إجازة بعض الفقهاء لشهادتها في الدماء ، وخاصة إذا كانت شهادتها فيها هى مصدر البينة الحافظة لحدود الله وحقوق الأولياء..

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت