ويذهب البحث إلى أن كلمة"أدنى"الواردة في قوله تعالى ( غُلِبَتِ الرُّومُ * فِي أَدْنَى الْأَرْضِ ) لها معنى آخر هو ( أخفض ) إضافة إلى المعنى الذي تعارف عليه المفسرون وهو ( أقرب ) . وقد أنكر بعض من قرأ البحث هذه النتيجة مؤكدًا أن كلمة"أدنى"تعني من الوجهة اللغوية ( أقرب ) ، وليس ثمة رأي آخر يدل على أنها قد تأتي بمعنى ( أخفض ) .
في هذا الموضوع نقول: إن معاجم اللغة _ لمن يتأملها _ بنيت على أساس تراكمي ، إذ أخذ كل معجم مادته ممن سبقه في هذا المضمار، وقلما زاد الأخير على سابقيه شيئًا ، إلى درجة يصعب معها اكتشاف الفروق بين معجم وآخر في تناول معاني الكلمة الواحدة .
وهذا ما نلحظه بالرجوع إلى مادة"دنا"أو"دنو"في المعاجم اللغوية، إذ نجد أنفسنا أمام معان معينة، وكلام معاد ، وشواهد مكررة، تناقلها أصحاب المعاجم، الواحد عن الآخر.
فقد أجمعت المعاجم اللغوية على أن كلمة"دنا"بمعنى اقترب .
أما إن جاءت بالهمز"دنأ"فهي من الدناءة أي: الخسة والوضاعة .
وإذا كان معنى كلمة دنا مقتصرًا ـ من الناحية اللغوية ـ على ما ذكرناه ، فماذا نقول إذًا في قوله تعالى في الآية ( 7 ) من سورة المجادلة:
( أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ مَا يَكُونُ مِن نَّجْوَى ثَلَاثَةٍ إِلَّا هُوَ رَابِعُهُمْ وَلَا خَمْسَةٍ إِلَّا هُوَ سَادِسُهُمْ وَلَا أَدْنَى مِن ذَلِكَ وَلَا أَكْثَرَ إِلَّا هُوَ مَعَهُمْ أَيْنَ مَا كَانُوا ثُمَّ يُنَبِّئُهُم بِمَا عَمِلُوا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ )
وكذلك في قوله تعالى في الآية ( 20 ) من سورة المزمل:
( إِنَّ رَبَّكَ يَعْلَمُ أَنَّكَ تَقُومُ أَدْنَى مِن ثُلُثَيِ اللَّيْلِ وَنِصْفَهُ وَثُلُثَهُ وَطَائِفَةٌ مِّنَ الَّذِينَ مَعَكَ وَاللَّهُ يُقَدِّرُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ .... )
نلاحظ أن كلمة أدنى في الآيتين السابقتين جاءت بمعنى"أقل"ولا يستقيم المعنى إذا نحن أوّلناها على أنها"أقرب"نزولًا عند معطيات المعاجم اللغوية.
في سورة المجادلة جاءت"أدنى"بمعنى"أقل"مرتبطة بدلالة عددية فالأدنى من العدد ثلاثة هو العدد اثنان.
وفي سورة المزمل جاءت كلمة ( أدنى ) بمعنى"أقل"مقترنة بدلالة زمنية ( أدنى من ثلثي الليل ) ، والأدنى من ذلك: نصفه أو ثلثه أو ربعه أو ....
إذًا جاءت كلمة"أدنى"التي بمعنى أقل ذات دلالة عددية في سورة المجادلة، وذات دلالة زمنية في سورة المزمل، وفي الدلالات العددية أو الزمنية هنالك ما هو أدنى"أقل"وما هو"أكثر"ولكن في الحديث عن الأرض ما هي دلالة كلمة"أدنى"إن كانت بمعنى"أقل"..!؟
ما هو أدنى الأرض أو"أقلها"جيولوجيًا ..!؟
أدنى الأرض معناها أقلها سماكة، وحيث تكون الأرض أقل سماكة تكون أخفض.
وكلمة أدنى بمعنى أخفض، ( والانخفاض ضد العلو) وردت كثيرًا في الشعر العربي. كما في قول ابن قيم الجوزية:
لا تؤثر الأدنى على الأعلى فإن تفعل رجعت بذلة وهوان
لا تؤثر الأدنى على الأعلى فتحـ ـرم ذا وذا يا ذلة الحرمانِ
فنحن نلاحظ في البيتين السابقين ( الطباق ) بين كلمتي: الأدنى والأعلى، وورودهما على أنهما متضادتين من حيث المعنى.
ويقول ( أبو عدي النمري) :
تهامية الأدنى حجازية الذرى كأن عليها من عُمان شقيقها
على الرغم من أن الشاعر في معرض الحديث عن النسب ، القريب منه والبعيد ، إلا أنه يختار للتعبير عن ذلك كلمتين متضادتين معنويًا من وجهة نظره. وهما: الأدنى ـ الذرا
الذرا: أكثر الأماكن علوًّا.
الأدنى: أكثر الأماكن انخافضًا.
لنعد قليلًا ولنتناول عبارة"أدنى الأرض"على أنها"أقرب الأرض"كما اتفق عليها المفسرون . والقرب والبعد مسألة نسبية. ومن ثم فهي أقرب الأرض إلى مَنْ !؟.
قيل في تفسير الآية: إنها أقرب أرض الروم إلى فارس. ونحن نلاحظ أن كلمة الأرض في الآية جاءت معرفة بـ ( أل ) العهدية. وأل العهدية هذه تضعنا أمام احتمالين:
إما أن تكون كلمة الأرض ـ هناـ مختصة بمنطقة معينة وموقع محدد. أي تواضع عليها كل من المرسل والمتلقي، فهي معهود ذهني بينهما.
أو تكون عامة. أي الأرض كلها دون تخصيص، وهي معهود ذهني عام.
فأما الاحتمال الأول: فهو ما حملته لنا كتب مفسري القرآن ودارسيه من أن الأرض المذكورة هي أقرب أرض الروم إلى فارس.
ويبقى الاحتمال الثاني وهو ما يجيز لنا أن نعدَّ كلمة الأرض في الآية لفظًا عامًا أريد به الأرض كلها.
وفي هذه الحالة يصبح أدنى الأرض بمعنى أكثرها انخفاضًا أمرًا ممكنًا، بل لعله يكون بهذا المعنى أقرب إلى الدقة، وإن كان لا ينفي الاحتمال الأول من الوجهة اللغوية.
تاريخ الفتوى: 13 ربيع الأول 1425 / 03-05-2004 السؤال
يقول تعالى في كتابه العزيز"إنا أنزلناه قرآنا عربيا لعلكم تعقلون".