فهرس الكتاب
- 📄
- 📄
ما سبق يؤكد لنا أن نظام تعدد الزوجات أو إباحة التزوج بأكثر من واحدة للظروف والأوضاع التي نص عليها الشرع الإسلامي ليس منقوضًا عند كل المفكرين الغربيين، وقد رأينا شهادة المنصفين منهم. وفي الختام نؤكد أن الإسلام أباح للرجل بأن يتزوج بأكثر من واحدة لكل هذه الفوائد التي ذكرناها وجاءت تلك الإباحة مقيدة في القرآن قال تعالى:"وَإِنْ خِفْتُمْ أَلاَّ تُقْسِطُوا فِى اليَتَامَى فَانكِحُوا مَا طَابَ لَكُم مِّنَ النِّسَاءِ مَثْنَى وَثُلاثَ وَرُبَاعَ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلاَّ تَعْدِلُوا فَوَاحِدَةً أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ" [النساء:3] كما أشار سبحانه إلى صعوبة العدل بين النساء فقال تعالى:"وَلَن تَسْتَطِيعُوا أَن تَعْدِلُوا بَيْنَ النِّسَاءِ وَلَوْ حَرَصْتُمْ" [النساء:129] .
ورأينا كذلك في السنة النبوية الغراء أن النبي - صلى الله عليه وسلم - لم يأمر في حديث من أحاديثه من تزوج بواحدة أن يتزوج مرة أخرى، وإنما جاءت السنة بعكس ذلك، وهي أن من تزوج بنساء كثيرات أن يطلق عنه حتى يبقى عددًا محصورًا كما ذكرنا في حديث سالم عن أبيه أن غيلان بن سلمة الثقفي أسلم وتحته عشر نسوة فقال له النبي: « اختر منهن أربعًا » وأرى أن الأمر قد اتضح، والشبهة قد زالت، وتبين أن الزواج بأكثر من واحدة من خلال النظام التشريعي الإسلامي هو في الحقيقة تكريم للمرأة؛ لأن الإنسان لابد أن تكون نظرته متكاملة؛ فالنظر للمرأة التي يتزوج الرجل عليها وحده ليس إنصافًا، فإن الذي سوف يتزوجها الرجل هي امرأة كذلك، وكرمها الشرع بأن سمح للرجل أن يتزوج منها لعلاج ما يعانيه المجتمع من مشكلات اجتماعية واقتصادية. نسأل الله أن يبصرنا بأمور دنيانا وديننا، والله من وراء القصد.
ساوى الإسلام بين الرجل والمرأة في حق اختيار كل منهما للآخر، ولم يجعل للوالدين سلطة الإجبار عليهما؛ فدور الوالدين في تزويج أولادهما يتمثل في النصح والتوجيه والإرشاد، ولكن ليس لهما أن يجبرا أولادهما- ذكورا وإناثا - على زواج لا يرضونه، بل الاختيار الأخير في هذا للأبناء.
فالزواج يعتبر من خصوصيات المرء، وإن إجبار أحد الوالدين ابنته على الزواج بمن لا تريد محرم شرعًا؛ لأنه ظلم وتعدٍ على حقوق الآخرين، فللمرأة في الإسلام حريتها الكاملة في قبول - أو رد - من يأتي لخطبتها، ولا حق لأبيها أو وليها أن يجبرها على من لا تريد؛ لأن الحياة الزوجية لا يمكن أن تقوم على القسر والإكراه، وهذا يتناقض مع ما جعله الله بين الزوجين من مودة ورحمة. وهذا الحكم المستقر دلت عليه نصوص كثيرة من شرعنا الحنيف، ووقائع فعلية تبين للعالم كله كيف تعامل الرحمة المهداة، إمام العالمين مع المرأة ووليها في تحد واضح لكل نظم الجاهلية التي تظلم المرأة، وأثبت حقها في اختيار زوجها، وأبطل زواج من حاول إجبارها حتى وإن كان ذلك الشخص هو الأب، ولا يخفى ما في ذلك من مخالفة لعادات العرب وقتها، فكان ذلك امتحانًا لقلوب المؤمنين بأن يرضوا بالشرع الحنيف الذي يكرم المرأة، ويحترم إرادتها واختيارها، ويتبرءوا من كل النظم التي تهين المرأة وتحتقرها وتظلمها. فجاءت النصوص النبوية الشريفة في هذا الباب كلها تؤكد على هذا الحق، ومن ذلك قول النبي: « لا تنكح الأيم حتى تستأمر ولا تنكح البكر حتى تستأذن » . قالوا: يا رسول الله وكيف إذنها ؟ قال: « أن تسكت » . كما كان ينصف من تأتي تشكي إجبار أبيها لها على الزواج كما ثبت ذلك في سنته حيث روي: «أن جارية بكرا أتت النبي فذكرت له أن أباها زوجها وهى كارهة، فخيرها النبي » .
ورُوي: «أن رجلا زوج ابنة له وهي كارهة؛ فأتت رسول الله فقالت: إن، وذكرت كلمة معناها أبي زوجني رجلًا وأنا كارهة، وقد خطبني ابن عم لي. فقال: لا نكاح له انكحي من شئت» .