فهرس الكتاب
- 📄
- 📄
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه أما بعد: فمشاهدة القنوات الفضائية تشتمل على الخير والشر، لكن الشر فيها أغلب، فقناة تنشر الخلاعة، وأخرى تهدم الدين، وثالثة تلوث الأفكار وهكذا، وما كان هذا شأنه، فالشرع يُغلب فيه جانب التحريم على جانب الإباحة، كما حرم الله تعالى الخمر والميسر مع أن فيهما منافع قال تعالى: يَسْأَلونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ قُلْ فِيهِمَا إِثْمٌ كَبِيرٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ وَإِثْمُهُمَا أَكْبَرُ مِنْ نَفْعِهِمَا (البقرة: من الآية219) . ولذا فإن الفتوى تقتضي المنع من مشاهدة هذه القنوات سدًا للذريعة وصيانة للدين، إلا إذا كان المشاهد ممن لديه القدرة، ليرد على تلك الأفكار المنحرفة وينقضها، ويعري ناشريها، مع ملاحظة الإمساك عن المشاهدة عند وجود مناظر خليعة أو فاتنة، وراجع الفتويين التاليتين: 27217/ 26365 ولمعرفة حكم الصلاة في المساجد التي بها قبور راجع الفتويين التاليتين: 4527/ 1530 . ولمعرفة العلاقة بين الدعاء والقدر راجع الفتوى رقم:9890 والله أعلم.
المفتي: مركز الفتوى بإشراف د.عبدالله الفقيه
الشبكة الإسلامية ...
شبهة رددتها بعض الألسنة -قديمًا وحديثًا- تقول: إن القرآن لم يأتِ بجديد عما جاء في الكتب السابقة!! وهذه الشبهة -كما سيتضح- ذات صلة وثيقة بشبهة سابقة، كنا قد تحدثنا عنها، تقول: إن القرآن ليس إلا تلفيقًا وتجميعًا من الكتب السابقة!! فما حقيقة الأمر في هذه الشبهة، وما خَطْبها ورصيدها من الصحة والواقع؟ هذا ما نحاول الإجابة عنه في هذا المقال.
ولكن...قبل الدخول في تفاصيل ذلك، نود أن نلفت انتباه القارئ الكريم إلى ملاحظتين مهمتين في هذا السياق، حاصل أولهما: أن أصل التوراة والإنجيل حق لا ريب فيه؛ لأنهما من عند الله سبحانه، ومن ثَمَّ فلا يمكن لتلك الكتب أن يناقض بعضها بعضًا، بل هي مكملة ومتممة لبعضها البعض؛ بيد أن التوراة والإنجيل -وهذا أيضًا حق وواقع لا يمكن نكرانه بحال- طرأ عليهما الكثير من التحريف والتبديل. فإذا تبين هذا، فإن حديثنا هنا يتعلق بما في التوراة والإنجيل المحرَّفين، واللذين بقيا بين أيدي الناس .
أما الملاحظة الثانية فمفادها أنه مما لا شك فيه أن القرآن جاء مصدقًا ومهيمنًا على ما سبقه من الكتب السماوية؛ ومن معاني الهيمنة أن يكون في القرآن ما ليس في غيره من الكتب. وبناءً على هاتين الملاحظتين، نشرع في الرد على هذه الشبهة، فنقول:
إن الناظر والمتأمل فيما جاء في التوراة والإنجيل، وما جاء في القرآن الكريم، لا يعجزه أن يقف على بطلان هذه الشبهة من أساسها، ويتبين له ـ مقارنة بما جاء في التوراة والإنجيل ـ عناصر الجدة التي تضمنها القرآن الكريم، والتي اشتملت على جوانب عدة، كالعقيدة والتشريع والعبادات والمعاملات .
ففي جانب العقيدة -وهو الجانب الأهم والأبرز- نجد أن القرآن الكريم قد جاء بعقيدة التوحيد الصحيحة، إذ أفرد الله سبحانه بالعبودية، وبيَّن أنه الخالق والمدبر لكل أمر في هذا الكون من مبتداه إلى منتهاه، وأن مقاليد الكون كلها بيده سبحانه، وهذا واضح لكل قارئ لكتاب الله، وضوح الشمس في كبد السماء؛ بينما تقوم عقيدة اليهود المحرَّفة على وصف الخالق بصفات بشرية لا تليق بجلاله سبحانه، وفي أحسن أحوالها، تقول بوجود إله حق، إلا أن مفهوم الإله في تلك العقيدة أنه إله قومي، خاص بشعب إسرائيل فحسب .
وكذلك فإن عقيدة النصارى المحرفة تقوم على أكثر من تصور بخصوص الذات الإلهية، ويأتي في مقدمة تلك التصورات عقيدة التثليث، وعقيدة حلول الذات الإلهية في شخص عيسى عليه السلام، تعالى الله عما يقولون علوًا كبيرًا .
ثم في مجال العقيدة أيضًا، لا توجد كلمة واحدة في جميع أدبيات الكتب المقدسة -كما يذكر عبد الأحد داود في كتابه «محمد في الكتاب المقدس» - حول قيامة الأجساد، أو حول الجنة والنار؛ بينما نجد القرآن الكريم حافلًا بهذه المسائل، بل جعل الإيمان بها من أهم مرتكزات الإيمان الصحيح .
أما في مجال التشريع، فقد جاء القرآن الكريم بشريعة واقعية، راعت مصالح الدنيا والآخرة معًا، ولبَّت مطالب الجسد والروح في آنٍ؛ ففي حين دعت الشريعة المسيحية إلى الرهبانية، التي تعني اعتزال الحياة وتحقير الدنيا -وكان هذا الموقف من الشريعة المسيحية رد فعل على العبودية اليهودية للحياة الدنيا ومتاعها- رأينا القرآن يذمُّ موقف النصارى من الرهبنة، وينعى عليهم هذا الموقف السلبي من الحياة، فيقول: ?وَرَهْبَانِيَّةً ابْتَدَعُوهَا مَا كَتَبْنَاهَا عَلَيْهِمْ إِلا ابْتِغَاءَ رِضْوَانِ اللَّهِ فَمَا رَعَوْهَا حَقَّ رِعَايَتِهَ? [الحديد:27] . فالشريعة الإسلامية -كما نزلت في القرآن- ترى في الرهبانية موقفًا لا يتفق بحال مع ما جاءت به من الوسطية والتوازن بين حاجات الروح ومتطلبات الجسد