فهرس الكتاب
- 📄
- 📄
وقال العلامة ابن القيم رحمة الله عليه: أقسم سبحانه بنفسه المقدسة قسما مؤكدًا بالنفي قبله على عدم إيمان الخلق حتى يحكموا رسوله في كل ما شجر بينهم من الأصول والفروع، وأحكام الشرع المعاد، ولم يثبت لهم الإيمان بمجرد هذا التحكيم حتى ينتفي عنهم الحرج، وهو ضيق الصدر، وتنشرح صدورهم لحكمه كل الانشراح، وتقبله كل القبول، ولم يثبت لهم الإيمان بذلك حتى ينضاف إليه مقابلة حكمه بالرضى والتسليم وعدم المنازعة، وانتفاء المعارضة والاعتراض.
وقال عز وجل في كتابه مبينا أن السخط من أحكامه وعدم الرضا بها كفر: ذَلِكَ بِأَنَّهُمُ اتَّبَعُوا مَا أَسْخَطَ اللَّهَ وَكَرِهُوا رِضْوَانَهُ فَأَحْبَطَ أَعْمَالَهُمْ {محمد:28} ، وذكر العلماء سبعة شروط لـ (لا إله إلا الله) حتى ينتفع بها قائلها، ومنها: الانقياد والقبول لما دلت عليه لا إله إلا الله من: إفراده تعالى بالعبادة والطاعة، ثم إن الله تعالى جعل للمرأة حقوقا على الرجل يجب عليه أن يسلمها لها، وأوجب عليها مقابل ذلك طاعته وتسليم نفسها له إن أرادها للفراش وكانت مستطيعة، لأن الزوج يستحق بالعقد تسليم العوض عن ما أصدقها وهو الاستمتاع بها، كما تستحق المرأة العوض وهو الصداق، فمتى ما طلب الرجل زوجته وجب عليها طاعته في ذلك ما لم يمنعها منه مانع شرعي، أو مانع في نفسها كمرض ونحوه، ولا يخفى أن على الرجل أن يراعي حقوق زوجته ويتقي الله تعالى فيها، فالله سبحانه وتعالى يقول: وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ {البقرة:228} .
مما يزيد الأمر وضوحًا بتبعية أولئك القوم للغرب ، وانسياقهم وراء حضارته وقوانينه وأفكاره ، ما ينادون به ويطالبون حكوماتهم بتنفيذه من سلب الأزواج حق إيقاع الطلاق بمفردهم ، وجعله في يد القاضي ، بحيث لا يكون للزوج أن ينفرد بإيقاع الطلاق ، ولا للزوجين أن يتراضيا على الطلاق فيما بينهما ، بل لا بد من رفع دعوى أمام القضاء ، وتقتنع المحكمة بوجاهة الأسباب الداعية إلى الطلاق ، تمامًا كما تجري عليه القوانين الغربية وبخاصة القانون الفرنسي.
وهم يدّعون أنهم يهدفون بهذا التقييد إلى حفظ حقوق المرأة من أن تنتقص ، وإلى حفظ رباط الزوجية من أن ينفصم لأسباب قد لا تكون من الأهمية بحيث تقطع العلائق الزوجية من أجلها.
وفات هؤلاء أن انفراد الزوج بإيقاع الطلاق بحيث لا يملكه غيره أحد إلا بتوكيل منه أو تفويض منه ، حق أعطاه الله له ، وتشريع شرعه الله سبحانه وتعالى لا يجوز سلبه ، أو الانتقاص منه ، إلا بأمر الشارع ، وبشروطه التي ذكرت في الشريعة ، كما دلت النصوص على ذلك ، قال تعالى: (يا أيها الذين آمنوا إذا نكحتم المؤمنات ثم طلقتموهن من قبل أن تمسوهن فما لكم عليهن من عدة تعتدُّونها) ، وقال تعالى: (لا جُناح عليك إن طلقتم النساء ما لم تمسوهن أو تفرضوا لهن فريضة) ، وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (إنما الطلاق لمن أخذ بالساق) ، وقد ورد أنه قال ذلك لما جاءه رجل وقال: يا رسول الله سيدي زوَّجني أَمَتَه وهو يريد أن يفرق بيني وبينها ، فجمع رسول الله صلى الله عليه وسلم الناس ثم صعد على المنبر وقال ذلك.
وهي نصوص صريحة واضحة الدلالة على تولي الزوج وحده إيقاع الطلاق بأمر الله وتشريعه.
والإسلام إنما أجاز تدخل القضاء في هذه الشؤون حينما تدعو إلى ذلك ضرورة كما إذا فات الإمساك بالمعروف ، وامتنع الزوج من التسريح بالإحسان ، فيقوم القاضي بالتفريق بينهما دفعًا للظلم عن الزوجة ، وكذلك في حالة الإعسار بالنفقة أو غيبته غيبة طويلة وطلبت الزوجة التفريق ، أو لأي سبب آخر أعطى فيه الشرع الحق للوالي بتولي التفريق بين الزوجين.
فإذا سُلب الأزواج هذا الحق في جميع الحالات كان ذلك مخالفًا للمقرر في الشريعة وهو لا يجوز.
وجعل الطلاق في يد القاضي كما يريد هؤلاء هو في الواقع حكم على الرجال جميعًا - بغير فرق بين عاقل وسفيه وبين مثقف وجاهل - بأنهم سفهاء ، لا يحسنون التصرف ، ولا يوثق بهم في أخص شأن من شؤونهم ، ومن ثم يجب الحجر عليهم في إيقاع الطلاق ، صيانة لرابطة الزواج من العبث وسوء الاستعمال.
والعجب من أناس أكرمهم الله بالعقل ، وخاطبهم بشرائعه وأحكامه ، وجعلهم أهلًا لكافة التصرفات ، وقُوَّامًا على زوجاتهم وأولادهم ، ثم يأبون هذا التكريم ، ويعلنون أنهم ليسوا موضعًا لهذه الثقة ، ولا أهلًا لهذه القوامة ، وأنهم في حاجة إلى فرض رقابة قضائية عليهم ، عند الرغبة في إنهاء العلاقة بينهم وبين زوجاتهم.
ثم إن ذلك سوف يفشل عند التطبيق أو يحدث المضار والمساوئ أضعاف محاسنه المزعومة.
فقد يكون سبب عدم الوفاق أمورًا لا يمكن ضبطها وإثباتها مثل النفور الطبيعي بينهما أو عدم التلاؤم في الأخلاق والطباع ، فإنها أمور نفسية يعسر إثباتها.