إن القضية - فيما نري قضية إخبار عن الغيب لا تصل معرفة البشر التجريبية أو العقلية إلى شيء يستند إليه إنكار هذا الإخبار الذي يجاوز حدود هذه المعرفة ، فالمؤمنون بالغيب وبصدق الوحي القرآني يؤمنون به ، والمكذبون ينكرون بكل ما لا يقع منهم تحت حس مباشر أو تجربة مادية ، لكنهم في مثل هذه القضايا الغيبية لا مستند لهم في إنكارهم إلا محض الشك والتكذيب وقياس الغائب على الشاهد وتحكيم عقولهم القاصرة فيما هو من علم الغيب ،... ولسنا نملك لهؤلاء وسيلة تحملهم على الإيمان بالغيب وعدم قياس الأمور فيه على علم الشهادة البشرية . ( ومن يرد الله فتنته فلن تملك له من الله شيئا اولئك الذين لم يرد الله ان يطهر قلوبهم لهم في الدنيا خزي ولهم في الأخرة عذاب عظيم( [المائدة: 41] .
.... وبهذا يتبين لنا أنه ليس فيما ورد من قصة سليمان في سورة النمل ما يطعن في صحة شيء مما ورد في القرآن الكريم) (819) .
وقد ذكر خلف الله طعونا أخرى لكنها لا تدخل في موضوع (دعوى معارضة القرآن للحقائق التاريخية) ، لذلك لم أذكرها ،وإن كان من رد على خلف الله ذكرها ؛ لأني لا أرد على كتاب خلف الله، بل أرد على من زعم هذه الدعوى، وأغلب إشكالاته من باب تعارض الآيات بعضها مع بعض , وقد أجبنا على أكثرها في المطلب السابق
الطعون العامة التي يوردها الطاعنون ، ونشير هنا إلى الأسباب التي كانت وراءها ، أو التي دفعت هؤلاء إلي الخوض في قضايا تمس القرآن الكريم ، ومن ثم يمكن القول بأن اختلافهم في القرآن يرجع إلى مجموعة من الاعتبارات ؛ نذكر أهمها فيما يلى:
أما نفي نسبة القرآن إلى الله تعالى ، وزعم عدم حفظ القرآن ، وما يندرج تحتهما من طعونات ، فإنها دعاوى من غير أدلة ولا برهان ، وسببها الحقد المحض ، ولعل سببها الوحيد لديهم دعواهم وجود التناقض في القرآن ، والتناقض دليل على عدم قدسيته .
وأما دعوى تناقض القرآن فإنها ترجع لخمسة أسباب ، كما ذكرها الزركشي ، فقد قال - رحمه الله -:
الأول: وقوع المخبر به على أحوال مختلفة وتطويرات شتى:
كقوله تعالى في خلق آدم إنه (من تراب( [ آل عمران: 59] ، ومرة (من حمأ مسنون( [الحجر: 26] ، ومرة (من طين لازب( [الصافات: 11] ، ومرة (من صلصال كالفخار( [الرحمن: 14] ، وهذه الألفاظ مختلفة ، ومعانيها في أحوال مختلفة ؛ لأن الصلصال غير الحمأ ، والحمأ غير التراب ، إلا أن مرجعها كلها إلى جوهر ، وهو التراب ، ومن التراب تدرجت هذه الأحوال .
ومنه قوله تعالى: (فإذا هي ثعبان مبين( [ الشعراء: 32 ] ، وفي موضع (تهتز كأنها جان( [القصص: 31] ، والجان الصغير من الحيات ، والثعبان الكبير منها ؛ وذلك لأن خلقها خلق الثعبان العظيم واهتزازها وحركاتها وخفتها كاهتزاز الجان وخفته .
السبب الثاني: اختلاف الموضوع:
كقوله تعالى: (وقفوهم إنهم مسئولون( [الصافات: 24] ، وقوله: (فلنسألن الذين أرسل إليهم و لنسألن المرسلين( [ الأعراف: 6 ] ، مع قوله: (فيومئذ لا يسأل عن ذنبه إنس ولا جان( [الرحمن: 36] ؛ قال الحليمي: فتحمل الآية الأولى على السؤال عن التوحيد وتصديق الرسل ، والثانية على ما يستلزم الإقرار بالنبوات من شرائع الدين وفروعه .
وحمله غيره على اختلاف الأماكن ؛ لأن في القيامة مواقف كثيرة ، فموضع يسأل ويناقش وموضع آخر يرحم ويلطف به ، وموضع آخر يعنف ويوبخ وهم الكفار ، وموضع آخر لا يعنف وهم المؤمنون .
وقوله: (ولا يكلمهم الله يوم القيامة( [البقرة: 174] ، مع قوله: (فوربك لنسألنهم أجمعين عما كانوا يعملون( [الحجر: 92-93] وقيل: المنفي كلام التلطف والإكرام ، والمثبت سؤال التوبيخ والإهانة ، فلا تنافي ، وقيل: إن المنفي كلامهم في النار، والمثبت كلامهم في الحساب .
وكقوله: (ثم لم تكن فتنتهم إلا أن قالوا والله ربنا ما كنا مشركين( [الأنعام: 23] ، مع قوله: (ولا يكتمون الله حديثا( [النساء: 42] ، فإن الأولى تقتضي أنهم كتموا كفرهم السابق ، والجواب من وجهين ؛ أحدهما: أن للقيامة مواطن ففي بعضها يقع منهم الكذب ، وفي بعضها لا يقع ، كما سبق ، والثاني: أن الكذب يكون بأقوالهم ، والصدق يكون من جوارحهم ، فيأمرها الله تعالى بالنطق فتنطق بالصدق .
ومنه قوله تعالى: (اتقوا الله حق تقاته( [آل عمران: 102] ، مع قوله: (فاتقوا الله ما استطعتم( [التغابن: 16] ، يحكى عن الشيخ العارف أبي الحسن الشاذلي ، رحمه الله ، أنه جمع بينهما فحمل الآية الأولى على التوحيد ، والثانية على الأعمال ، والمقام يقتضي ذلك ؛ لأنه قال بعد الأولى (ولا تموتن إلا وأنتم مسلمون( .