فهرس الكتاب

الصفحة 1854 من 4557

وقيل: بل الثانية ناسخة ؛ قال ابن المنير: الظاهر أن قوله: (اتقوا الله حق تقاته( إنما نسخ حكمه لا فضله وأجره ، وقد فسر النبي ( حق تقاته بأن قال: « هو أن يطاع فلا يعصى ويذكر فلا ينسى ويشكر فلا يكفر » . فقالوا: أينا يطيق ذلك . فنزلت(فاتقوا الله ما استطعتم( وكان التكليف أولا باستيعاب العمر بالعبادة بلا فترة ولا نعاس ، كما كانت الصلاة خمسين ثم صارت بحسب الاستطاعة خمسا ، والاقتدار منزل على هذا الاعتبار ، ولم ينحط من درجاته ، وقال الشيخ كمال الدين الزملكاني: وفي كون ذلك منسوخا نظر ، وقوله: (ما استطعتم( هو (حق تقاته( إذ به أمر فإن (حق تقاته( الوقوف على أمره ودينه ، وقد قال بذلك كثير من العلماء اهـ .

والحديث الذي ذكره ابن المنير في تفسيره (حق تقاته(لم يثبت مرفوعا ، بل هو من كلام ابن مسعود رواه النسائي ، وليس فيه قول الصحابة: أينا يطيق ذلك ، ونزول قوله تعالى: (فاتقوا الله ما استطعتم( .

ومنه قوله تعالى: (فإن خفتم ألا تعدلوا فواحدة( [النساء: 3] مع قوله في أواخر السورة: (ولن تستطيعوا أن تعدلوا بين النساء ولو حرصتم( [النساء: 129] فالأولى تُفهم إمكان العدل ، والثانية تنفيه ؛ والجواب أن المراد بالعدل في الأولى العدل بين الأزواج في توفية حقوقهن ، وهذا ممكن الوقوع وعدمه ، والمراد به في الثانية الميل القلبي ؛ فالإنسان لا يملك ميل قلبه إلى بعض زوجاته دون بعض ، وقد كان يقسم بين نسائه ثم يقول:"اللهم هذا قسمي في ما أملك ، فلا تؤاخذني بما لا أملك". يعني ميل القلب ، وكان عمر يقول: اللهم قلبي فلا أملكه ، وأما ما سوى ذلك فأرجو أن أعدل .

ويمكن أن يكون المراد بالعدل في الثانية العدل التام ؛ أشار إليه ابن عطية ، وقد يحتاج الاختلاف إلى تقدير ، فيرتفع به الإشكال كقوله تعالى: (لا يستوي القاعدون من المؤمنين غير أولي الضرر والمجاهدون في سبيل الله بأموالهم وأنفسهم فضل الله المجاهدين بأموالهم وأنفسهم على القاعدين درجة وكلا وعد الله الحسنى( [النساء: 95] ثم قال سبحانه: (وفضل الله المجاهدين على القاعدين أجرا عظيما( والأصل في الأولى: وفضل الله المجاهدين على القاعدين من أولي الضرر درجة ، والأصل في الثانية: وفضل الله المجاهدين على القاعدين من الأصحاء درجات .

وكقوله تعالى: (إن الله لا يأمر بالفحشاء( [الأعراف: 28] مع قوله: (أمرنا مترفيها ففسقوا فيها( [الإسراء: 16] ، والمعنى أمّرناهم وملّكناهم وأردنا منهم الصلاح فأفسدوا ، والمراد بالأمر في الأولى أنه لا يأمر به شرعا ولكن قضاء ؛ لاستحالة أن يجري في ملكه مالا يريد ، وفرقٌ بين الأمر الكوني والديني .

الثالث: الاختلاف في جهتي الفعل:

كقوله تعالى: (فلم تقتلوهم ولكن الله قتلهم( [الأنفال: 17] ؛ أضيف القتل إليهم على جهة الكسب والمباشرة ، ونفاه عنهم باعتبار التأثير ؛ ولهذا قال الجمهور: إن الأفعال مخلوقة لله تعالى ، مكتسبة للآدميين ، فنفي الفعل بإحدى الجهتين لا يعارضه إثباته بالجهة الأخرى . وكذا قوله: (وما رميت إذ رميت ولكن الله رمى( [الأنفال:17] أي ما رميت خلقا إذ رميت كسبا . وقيل: إن الرمي يشتمل على القبض والإرسال وهما بكسب الرامي ، وعلى التبليغ والإصابة وهما بفعل الله عز وجل ؛ قال ابن جرير الطبري: وهي الدليل على أن الله خالق لأفعال العباد ؛ فإن الله تعالى أضافه إلى نبيه ثم نفاه عنه ، وذلك فعل واحد ؛ لأنه من الله تعالى التوصيل إليهم ومن نبيه بالحذف والإرسال ، وإذا ثبت هذا لزم مثله في سائر أفعال العباد المكتسبة ، فمن الله تعالى الإنشاء والإيجاد ، ومن الخلق الاكتساب بالقوى .

ومثله قوله تعالى: (الرجال قوامون على النساء( [النساء: 34] وقال تعالى: (وقوموا لله قانتين( [البقرة: 238] فقيام الانتصاب لا ينافي القيام بالأمر لاختلاف جهتي الفعل .

الرابع: الاختلاف في الحقيقة والمجاز:

كقوله: (وترى الناس سكارى وما هم بسكارى( [الحج: 2] (ويأتيه الموت من كل مكان وما هو بميت( [إبراهيم: 17] وهو يرجع لقول المناطقة: الاختلاف بالإضافة . أي وترى الناس سكارى بالإضافة إلى أهوال القيامة مجازا ، وما هم بسكارى بالإضافة إلى الخمر حقيقة .

ومثله في الاعتبارين قوله تعالى: (آمنا بالله وباليوم الآخر وما هم بمؤمنين( [البقرة:8] وقوله: (ولا تكونوا كالذين قالوا سمعنا وهم لا يسمعون( [الأنفال: 21] ، وقوله تعالى: (وتراهم ينظرون إليك وهم لا يبصرون( [الأعراف: 198] ، فإنه لا يلزم من نفي النظر نفي الإبصار ، لجواز قولهم: نظرت إليه فلم أبصره .

الخامس: بوجهين واعتبارين:

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت