فهرس الكتاب

الصفحة 1256 من 4557

ربما يأتي من يقول بأننا نحمّل هذه الآيات غير ما تحتمل من المعاني، وهذه عادة المشككين بكتاب الله تعالى. ولذلك سوف نقدم من خلال هذه الوِقفة ما فهمه العرب قديمًا من هذه الآيات. فلو بحثنا في معجم لسان العرب عن معنى كلمة (رَسَا) ، لوجدنا:"رَسَا الشَّيءُ يَرْسُو رُسُوًّا و أَرْسَى: ثَبَتَ، و أَرْساه هو. و رَسَا الجَبَلُ يَرْسُو إِذا ثَبَت أَصلهُ في الأَرضُ، وجبالٌ راسِياتٌ. و الرَّواسِي من الجبال: الثَّوابِتُ الرَّواسخُ. و رَسَتِ السَّفينةُ تَرْسُو رُسُوًّا: بَلَغَ أَسفلُها القَعْرَ وانتهى إِلى قرارِ الماءِ فَثَبَتَت وبقيت لا تَسير، وأَرْساها هو. وفي التنزيل العزيز في قصة نوح عليه السلام وسفينته: (وَقَالَ ارْكَبُوا فِيهَا بِسْمِ اللَّهِ مَجْرَاهَا وَمُرْسَاهَا إِنَّ رَبِّي لَغَفُورٌ رَحِيمٌ) [هود: 41] . و المِرْساةُ: أَنْجَرُ السَّفينة التي تُرْسَى بها، وهو أَنْجَرُ ضَخْمٌ يُشَدُّ بالجِبال و يُرْسلُ في الماءِ فيُمْسِكُ السَّفينة و يُرْسِيها حتى لا تَسير. قال ابن بري: يقال: أَرْسَيْتُ الوَتِدَ في الأَرض إِذا ضَرَبْتَه فيها".

وجاء في هذا المعجم معنى كلمة (وتد) :"الوتِدُ، بالكسر، و الوَتْدُ و الوَدُّ: ما رُزَّ في الحائِط أَو الأَرض من الخشب، والجمع أَوتادٌ، قال الله تعالى: (والجِبالَ أَوتادًا) [النبأ: 7] . و وَتَدَ الوَتِدُ وَتْدًا وتِدَةً و وَتَّدَ كلاهما: ثَبَتَ، و وَتَدْتُه أَنا أَتِدُه وَتْدًا وتِدَةً وَوَتَدْتُه: أَثْبَتُّه".

ونلاحظ أن العرب فهمت من الآيات ما نفهمه نحن اليوم مع فارق التطور العلمي! فهم فهموا من كتاب الله تعالى أن للجبال أصلًا في الأرض يثبته كما تثبت المرساة السفينة ولذلك سمى الله الجبال بالرواسي، وهذا ما يقوله العلماء اليوم كما نرى من خلال الأبحاث الصادرة حديثًا في علم التوازن الأرضي.

وهنا نود أن نقول: إذا كان القرآن العظيم يستخدم تشبيهًا للجبال بالسفن التي ترسو في الماء، وإذا كان العلماء حديثًا يستخدمون تشبيهًا لتوازن الجبال كقطعة خشب تطفو على سطح الماء ويغوص منها جزء كبير لضمان توازن القطعة الخشبية، ويشبّهون توازن الجبل بتوازن هذه القطعة الخشبية في الماء، أي يستخدمون نفس التشبيه القرآني، والسؤال: لولا أن العلماء وهم من غير المسلمين وجدوا في هذا التشبيه منتهى الدقة العلمية فهل كانوا سيستخدمونه في مراجعهم ويدرسونه لطلابهم في القرن الحادي والعشرين؟

إن هذا يثبت أن القرآن كتاب علم وليس كتاب أساطير كما يدّعي الملحدون، ويثبت أن القرآن معجز من الناحية العلمية ويتضمن سبقًا علميًا في علم الجبال، ويعني أيضًا أننا لا نحمّل النص القرآني أي معنى لا يحتمله، إنما نفهم النص كما فهمه العرب أثناء نزول القرآن، ولكن هم فهموه حسب معطيات عصرهم ولم يكن هنالك مشكلة على الرغم من عدم وجود أي تفسير علمي لجذور الجبال ودورها في التوازن الأرضي، ونحن اليوم نفهمه حسب أحدث المكتشفات العلمية ولا نجد أي مشكلة أيضًا، ألا يدلّ هذا على أن القرآن كتاب صالح لكل زمان ومكان؟!

المهندس عبد الدائم الكحيل

باحث في إعجاز القرآن الكريم والسنّة النبوية

حمص- سورية - جوال 652879 095

المراجع

الرد على الشبهة:

إن الإسلام دين ، وهو موحى به من رب العالمين يخبرنا عن صدق ويقين ، وهو القائل سبحانه: (ما أشهدتهم خلق السموات والأرض ولا خلق أنفسهم وما كنت متخذ المضلين عضدا ) (1) . والإسلام ليس بدعًا من الأديان ولذلك نرى أن الكتب المقدسة تذكر ذلك ؛ فإن الله تعالى يقول:

(وأنا لمسنا السماء فوجدناها مُلئت حرسًا شديدًا وشهبًا * وأنا كنا نقعد منها مقاعد للسمع فمن يستمع الآن يجد له شهابًا رصدا ) (2) . قال ذلك حكاية عن الجن. وليس المعنى كما فهم المؤلف ، وإنما المعنى هو أن الله جعل على السماء حراسًا من الملائكة ، وخلق لهم أدوات عقاب تناسب أجسام الشياطين. وهى الشهب. فإذا جاء شيطان رماه أحد الملائكة بشهاب وليست الشهب كواكب كالقمر والشمس ، وإنما هى أدوات عقاب كالسيف في يد الجندى المحارب.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت