فهرس الكتاب
- 📄
- 📄
أمَّا ما يحدث في العالم الآن مما نراه ويراه كل أحد، من الخلط بين مسألتي إمامة الجماعة ومسألة خطبة الجمعة، فالأخيرة لم يجزها أحد، فهؤلاء المخلطون ممن ينتمون إلى مدرسة المنشقين، وهي تشتمل على تيارات عدة: بعضها ينكر السنة والإجماع، وبعضها يتلاعب بدلالات الألفاظ في لغة العرب، وبعضها يدعو إلى إباحة الشذوذ الجنسي، والزنا، والخمر، وإلى الإجهاض، وإلى تغيير أنصبة الميراث، ونحو ذلك مما نراه يبرز كل قرن تقريبًا، ثم يخبو ويسير المسلمون في طريقهم الذي أمرهم الله به حاملين رسالة سعادة الدارين للعالمين ؛"فَأَمَّا الزَّبَدُ فَيَذْهَبُ جُفَاءً وَأَمَّا مَا يَنفَعُ النَّاسَ فَيَمْكُثُ فِى الأَرْضِ كَذَلِكَ يَضْرِبُ اللَّهُ الأَمْثَالَ" [الرعد:17] . ولعل هذا العرض الموجز قد أوضح حكم الشرع في تلك المسألة والله تعالى أعلى وأعلم.
علينا أن نعلم أولًا أن قضية «ختان الإناث» ليست قضية دينية تعبدية في أصلها، وإنما هي قضية طبية عادية ـ أي من قبيل موروث العادات والاعتماد على أقوال الأطباء ونصائحهم ـ وانتشرت هذه العادة بين دول حوض النيل قديما، فكان المصريون القدماء يختنون الإناث وغيرهم من الشعوب حوض النيل، وقد انتقلت هذه العادة إلى بعض العرب، كما كان في المدينة المنورة، أما في مكة فلم تكن هذه العادة منتشرة؛ ولذلك عندما ذهب النبي إلى المدينة ووجد أن العادة هناك مستقرة عندهم نصح من تختن الإناث بألا تنهك في الختان كما في حديث أم عطية: « أن امرأة كانت تختن بالمدينة فقال لها النبي: لا تنهكي فإن ذلك أحظى للمرأة وأحب إلى البعل» .
والختان كما يصفه الأطباء في عصرنا الحديث على أربعة مراحل؛ الأول منها: هو نوع من أنواع عمليات التجميل التي ينصح بها الأطباء عند الحاجة إليها، وهذا هو الختان في مفهوم المسلمين، أما المراحل الأخرى وإن اشتهر أن اسمها ختان عند الأطباء إلا أنها في حقيقتها تعد عدوانا في مفهوم الشرع الشريف؛ لما فيه من التجني على عضو هو من أكثر الأعضاء حساسية، حتى إن هذا العدوان يستوجب العقوبة والدية الكاملة (كدية النفس) إذا أدى إلى إفساده، كما مقرر في أحكام الشريعة الغراء. وعلى الرغم من ذلك،فم يرد عن النبي أنه ختن بناته، وترك النبي ختان بناته مع انتشاره في المدينة، وهو أسوتنا يبين المسلك القويم في تلك القضية؛ كما إنه لم يرد نص شرعي صحيح صريح يأمر المسلمين بأن يختنوا بناتهم حتى بمفهوم المرحلة الأولى التي ينصح بها الأطباء في بعض الحالات، فكان استمرار تلك العادة من باب المباح عند عدم ظهور الأضرار، أما مع ظهور تلك الأضرار البالغة التي قد تصل إلى الموت بما قرره أهل الطب في المراحل الثلاثة الأخرى فيكون منعه حينئذ واجبًا، وحدوث تلك الأضرار قد تكون لاختلاف الزمان والغذاء والهواء، أو لغير ذلك من الأسباب، وقد تعامل المسلمون مع هذا الواقع الجديد بمنتهى الفهم الحضاري في نظامهم القانوني والأخلاقي.
وبإلقاء نظرة إلى ذلك التطور القانوني والتشريعي في مصر مثلًا عن هذه القضية نجد أن أوّل نص صدر في مصر حول ختان الإناث هو القرار الوزاري رقم 74 لعام 1959. ويتضمّن هذا القرار في مادته الأولى كشفًا بأسماء لجنة مكوّنة من 15 عضوًا من رجال الدين المسلمين والطب من بينهم وكيل وزارة الصحّة مصطفى عبد الخالق، ومفتي الديار المصريّة حسن مأمون، ومفتي الديار المصريّة سابقًا حسنين محمّد مخلوف. وقد جاء في المادّة الثانية أن تلك اللجنة قد قرّرت ما يلي:
-أن يحرّم بتاتًا على غير الأطبّاء القيام بعمليّة الختان وأن يكون الختان جزئيًّا لا كليًّا لمن أراد.
-منع عمليّة الختان بوحدات وزارة الصحّة لأسباب صحّية واجتماعيّة ونفسيّة.
-غير مصرّح للدايات المرخّصات بالقيام بأي عمل جراحي، ومنها ختان الإناث.
-الختان بالطريقة المتّبعة الآن له ضرر صحّي ونفسي على الإناث سواء قَبل الزواج أو بعده.
وعندما كثرت حالات الختان وتسببت في تلك الأضرار البالغة بصحة الإناث؛ أصدر وزير الصحة المصري قرارًا وزاريًا بتاريخ 8/7/1996 القرار رقم 261 لسنة 1996 الذي يقول: «يحظر إجراء عمليّات الختان للإناث، سواء بالمستشفيات، أو العيادات العامّة، أو الخاصّة، ولا يسمح بإجرائها إلاّ في الحالات المرضيّة فقط والتي يقرّها رئيس قسم أمراض النساء والولادة بالمستشفى وبناء على اقتراح الطبيب المعالج» .