إن اعتقادنا في جملة القرآن ، الذى أوحى الله تعالى به إلى نبيه محمد هو كل ما تحويه دفتا المصحف المتداول بين الناس لا أكثر، وعدد السور المتعارف عليه بين المسلمين هو 114 سورة. أما عندنا"أى الشيعة"فسورة الضحى والشرح تكونان سورة واحدة ، وكذلك سورتا الفيل وقريش ، وأيضًا سورتا الأنفال والتوبة.
أما من ينسب إلينا أن القرآن أكثر من ذلك فهو كاذب (4) .
فماذا يقول خصوم القرآن بعد هذا البيان ؟
إن الاختلاف بين مصاحف السنة والشيعة هو في تعداد السور فحسب ، يدمج بعض السور في بعض عند الشيعة ، مع اعتماد كل النصوص الموحى بها في مصاحف الفريقين. وهذا لا يضير في قضية الإيمان ، ولا في وحدة المصحف في العالم الإسلامي.
مقدمة: تعدد القراءات ألا يدل على الإختلاف فيه ، وهو نوع من التحريف ؟
القراءات: جمع قراءة ، وقراءات القرآن مصطلح خاص لا يراد به المعنى اللغوى المطلق ، الذى يفهم من اطلاع أى قارئ على أى مكتوب ، بل لها في علوم القرآن معنى خاص من إضافة كلمة قراءة أو قراءات للقرآن الكريم، فإضافة"قراءة"أو"قراءات"إلى القرآن تخصص معنى القراءة أو القراءات من ذلك المعنى اللغوى العام ، فالمعنى اللغوى العام يطلق ويراد منه قراءة أى مكتوب ، سواء كان صحيفة أو كتابًا ، أو حتى القرآن نفسه إذا قرأه قارئ من المصحف أو تلاه بلسانه من ذاكرته الحافظة لما يقرؤه من القرآن ومنه قول الفقهاء:
القراءة في الركعتين الأوليين من المغرب والعشاء تكون جهرًا ، فإن أسرَّ فيهما المصلى فقد ترك سُنة من سنن الصلاة ، ويسجد لهما سجود السهو إن أسر ساهيًا. فقراءة القرآن هنا معنى لغوى عام ، لا ينطبق عليه ما نحن فيه الآن من مصطلح: قراءات القرآن. وقد وضع العلماء تعريفًا للقراءات القرآنية يحدد المراد منها تحديدًا دقيقًا. فقالوا في تعريفها:
"اختلاف ألفاظ الوحى في الحروف أو كيفيتها من تخفيف وتشديد وغيرهما (البرهان في علوم القرآن(1/318 ) ) ."
وقد عرفها بعض العلماء فقال:
"القراءات: هى النطق بألفاظ القرآن كما نطقها النبى صلى الله عليه وسلم .." (القراءات القرآنية تاريخ وتعريف) .
ومما تجب ملاحظته أن القراءات القرآنية وحى من عند الله عزَّ وجل ، فهى إذن قرآنً ، ولنضرب لذلك بعض الأمثلة:
قوله تعالى: (لقد جاءكم رسول من أنْفُسِكُمْ ) (1) . هذه قراءة حفص عن عاصم ، أو القراءة العامة التى كُتب المصحف في خلافة عثمان بن عفان رضى الله عنه عليها ، والشاهد في الآية كلمة"أنفُسِكُم"بضم الفاء وكسر السين ، وهى جمع:"نَفْس"بسكون الفاء ، ومعناها: لقد جاءكم رسول ليس غريبًا عليكم تعرفونه كما تعرفون أنفسكم لأنه منكم نسبًا ومولدًا ونشأة ، وبيئة ، ولغة.
وقرأ غير عاصم:"لقد جاءكم رسول من أَنْفَسِكُمْ"بفتح الفاء وكسر السين ، ومعناها: لقد جاءكم رسول من أزكاكم وأطهركم.
و"أنْفَس"هنا أفعل تفضيل من النفاسة. فكلمة"أنفسكم"كما ترى قرئت على وجهين من حيث النطق. وهذا هو معنى القراءة والقراءات القرآنية.
مع ملاحظة مهمة ينبغى أن نستحضرها في أذهاننا ونحن نتصدى فيما يأتى للرد على
الشبهة التى سيوردها خصوم القرآن من مدخل: تعدد قراءات القرآن أن هذه القراءات لا تشمل كل كلمات القرآن ، بل لها كلمات في الآية دون كلمات الآية الأخرى ، وقد رأينا في الآية السابقة أن كلمات الآية لم تشملها القراءات ، بل كانت في كلمة واحدة هى"أنفسكم".
وهذا هو شأن القراءات في جميع القرآن ، كما ينبغى أن نستحضر دائمًا أن كثيرًا من الآيات خلت من تعدد القراءات خلوًّا تامًّا.
ومثال آخر ، قوله تعالى:
"مالك يوم الدين"والشاهد في الآية كلمة"مالك"، وفيها قراءتان:
"مالك"اسم فاعل من"مَلِكَ"وهى قراءة حفص وآخرين."مَلِك"صفة لاسم فاعل ، وهى قراءة: نافع وآخرين.
ومعنى الأولى"مالك"القاضى المتصرف في شئون يوم الدين، وهو يوم القيامة.
أما معنى"مَلِك"فهو أعم من معنى"مالك"أى من بيده الأمر والنهى ومقاليد كل شىء. ما ظهر منها وما خفى.
وكلا المعنيين لائق بالله تعالى ، وهما مدح لله عز وجل.
ولما كانت هذه الكلمة تحتمل القراءتين كتبت في الرسم هكذا"ملك"بحذف الألف بعد حرف الميم ، مع وضع شرطة صغيرة رأسية بين الميم واللام ، ليصلح رسمها للنطق بالقراءتين.
ومثال ثالث هو قوله تعالى:
(يوم يُكشف عن ساق ) (2) .
والشاهد في الآية كلمة"يُكشَف"وفيها قراءتان الأولى قراءة جمهور القراء ، وهى"يُكشف"بضم الياء وسكون الكاف ، وفتح الشين. بالبناء للمفعول ، والثانية قراءة ابن عباس"تَكْشِفُ"بفتح التاء وسكون الكاف ، وكسر الشين ، بالبناء للفاعل ، وهو الساعة ، أى يوم تكشف الساعة عن سياق. قرأها بالتاء ، والبناء للمعلوم ، وقرأها الجمهور بالياء والبناء للمجهول.
والعبارة كناية عن الشدة ، كما قال الشاعر:
كشفت لهم ساقها * * * وبدا من الشر البراح (3) .