هذه نماذج سقناها من القراءات القرآنية تمهيدًا لذكر الحقائق الآتية:
-إن القراءات القرآنية وحى من عند الله عز وجل.
-إنها لا تدخل كل كلمات القرآن ، بل لها كلمات محصورة وردت فيها ، وقد أحصاها العلماء وبينوا وجوه القراءات فيها.
-إن الكلمة التى تقرأ على وجهين أو أكثر يكون لكل قراءة معنى مقبول يزيد المعنى ويثريه.
-إن القراءات القرآنية لا تؤدى إلى خلل في آيات الكتاب العزيز ، وكلام الله الذى أنزله على خاتم رسله عليهم الصلاة والسلام.
ومع هذا فإن خصوم الإسلام يتخذون من تعدد قراءات بعض كلمات القرآن وسيلة للطعن فيه ، ويرون أن هذه القراءات ما هى إلا تحريفات لحقت بالقرآن بعد العصر النبوى.
وكأنهم يريدون أن يقولوا للمسلمين ، إنكم تتهمون الكتاب المقدس بعهديه (التوراة والإنجيل) بالتحريف والتغيير والتبديل ، وكتابكم المقدس (القرآن) حافل بالتحريفات والتغييرات والتبديلات ، التى تسمونها قراءات ؟
وهذا ما قالوه فعلًا ، وأثاروا حوله لغطًا كثيرًا ، وبخاصة جيش المبشرين والمستشرقين ، الذين تحالفوا إلا قليلًا منهم على تشويه حقائق الإسلام ، وفى مقدمتها القرآن الكريم.
ونكتفى بما أثاره واحد منهم قبل الرد على هذه
الشبهة التى يطنطنون حولها كثيرًا ، ذلكم الواحد هو المستشرق اليهودى المجرى المسمى:"جولد زيهر"الحقود على الإسلام وكل ما يتصل به من قيم ومبادئ.
إن هذا الرجل لهو أشد خطرًا من القس زويمر زعيم جيش المبشرين الحاقدين على الإسلام في عهد الاحتلال الإنجليزى للهند ومصر.
أوهام جولد زيهر حول القراءات القرآنية:
المحاولة التى قام بها جولد زيهر هى إخراج القراءات القرآنية من كونها وحيًا من عند الله ، نزل به الروح الأمين إلى كونها تخيلات توهمها علماء المسلمين ، وساعدهم على تجسيد هذا التوهم طبيعة الخط العربى ؛ لأنه كان في الفترة التى ظهرت فيها القراءات غير منقوط ولا مشكول ، وهذا ساعد على نطق الياء ثاء في مثل"تقولون"أو"تفعلون"! فمنهم من قرأ بالتاء"تقولون"ومنهم من قرأ بالياء"يقولون".
هذا من حيث النقط وجودًا وعدمًا ، أما من حيث الشكل أى ضبط الحروف بالفتح أو الضم مثلًا ، وأرجع إلى هذا السبب قوله تعالى: (وهو الذى أرسل الرياح بُشرًا..) (4) .
فقد قرأ عاصم:"بُشرا"بضم الباء وقرأها الكسائى وحمزة:"نَشْرا"بالنون المفتوحة بدلًا من الباء المضمومة عند عاصم.
وقرأ الباقون:"نُشُرا"بالنون المضمومة والشين المضمومة ، بينما كانت الشين في القراءات الأخرى ساكنة (5) .
وفى هذا يقول جولد زيهر نقلًا عن الترجمة العربية لكتابه الذى ذكر فيه هذا الكلام (6) :
"والقسم الأكبر من هذه القراءات يرجع السبب في ظهوره إلى خاصية الخط العربى ، فإن من خصائصه أن الرسم الواحد للكلمة قد يقرأ بأشكال مختلفة تبعًا للنقط فوق الحروف أو تحتها ، كما أن عدم وجود الحركات النحوية ، وفقدان الشكل (أى الحركات) فى الخط العربى يمكن أن يجعل للكلمة حالات مختلفة من ناحية موقعها من الإعراب. فهذه التكميلات للرسم الكتابى ثم هذه الاختلافات في الحركات والشكل ، كل ذلك كان السبب الأول لظهور حركة القراءات ، فيما أهمل نقطه أو شكله من القرآن".
إن المتأمل في هذا الكلام ، الذى نقلناه عن جولد زيهر ، يدرك أن الرجل يريد أن يقول في دهاء وخبث. إن هذه القراءات تحريفات معترف بها لدى المسلمين خاصتهم وعامتهم ، وأن النصوص الإلهية المنزلة على رسولهم أصابها بعض الضياع إنه لم يقل صراحة بالتحريف وإنما وضع المبررات لوجود التحريف في القرآن الحكيم.
ثم أخذ بعد ذلك يورد أمثلة من القراءات وينسبها إلى السببين اللذين تقدم ذكرهما ، وهما:
-تجرد المصحف من النقط في أول عهده.
-تجرد كلماته من ضبط الحروف.
فإلى السبب الأول نسب قوله تعالى:
(ونادى أصحاب الأعراف رجالًا يعرفونهم بسيماهم قالوا ما أغنى عنكم جمعكم وما كنتم تستكبرون) (7) .
والشاهد في كلمة"تستكبرون"وهى قراءة الجمهور. وقد قارنها جولد زيهر بقراءة شاذة"تستكثرون"بإبدال الباء ثاء ، يريد أن يقول: إن الكلمة كانت في الأصل"يستكبرون"غير منقوطة الحروف الأول والثالث والخامس فاختُلِف في قراءتها:
فمنهم من قرأ الخامس"باء"والأول تاء فنطق: تستكبرون ، ومنهم من قرأ الخامس"ثاء"فنطق"تستكثرون."
هذا هو سبب هاتين القراءتين عنده.
وكذلك قوله تعالى: (وما كان استغفار إبراهيم لأبيه إلا عن موعدة وعدها إياه..) (8) .
والشاهد في كلمة"إياه"ضمير نصب منفصل للمفرد الغائب الذكر.
ثم قارنها بقراءة شاذة لحماد الراوية هكذا"اباه"بإبدال الياء من " إياه"باء"اباه " أى وعدها إبراهيم عليه السلام أباه ؟ (9) .
أما اختلاف القراءات للسبب الثانى ، وهو تجرد كلمات المصحف عن الضبط بالحركات ، فمن أمثلته عنده قوله تعالى:
(ومَنْ عِنْدَهُ علم الكتاب ) (10) .