وقارن بين قراءاتها الثلاث:"مَنْ عنْدَهُ""مِنْ عِنْدِه""مَنْ عِنْدِهِ"؟ !
هذا هو منهجه في إخراج القراءات القرآنية من كونها وحيًا من عند الله ، إلى كونها أوهامًا كان سببها نقص الخط العربى الذى كتب به المصحف أولًا عن تحقيق الألفاظ من حيث حروفها ومن حيث كيفية النطق بها. واقتفى أثره كثير من المبشرين والمستشرقين.
الرد على هذه
الشبهة:
لقد حظى كتاب الله العزيز بعناية منقطعة النظير ، في حياة النبى صلى الله عليه وسلم ، وبعد وفاته. ومن الحقائق الراسخة رسوخ الجبال أن طريق تَلَقِّى القرآن كان هو السماع الصوتى.
-سماع صوتى من جبريل لمحمد عليهما السلام.
-وسماع صوتى من الرسول إلى كتبة الوحى أولًا وإلى المسلمين عامة.
-وسماع صوتى من كتبة الوحى إلى الذين سمعوه منهم من عامة المسلمين.
-وسماع صوتى حتى الآن من حفظة القرآن المتقنين إلى من يتعلمونه منهم من أفراد المسلمين.
هذا هو الأصل منذ بدأ القرآن ينزل إلى هذه اللحظة وإلى يوم الدين ، في تلقى القرآن من مرسل إلى مستقبل.
وليست كتابة القرآن في مصاحف هى الأصل ، ولن تكون. القرآن يجب أن يُسمع بوعى قبل أن يقرأ من المصحف ، ولا يزال متعلم القرآن في أشد الحاجة إلى سماع القرآن من شيوخ حافظين متقنين ، وفى القرآن عبارات أو كلمات مستحيل أن يتوصل أحد إلى نطقها الصحيح عن مجرد القراءة في المصحف ، ولو ظل يتعلمها وحده أيامًا وأشهرا.
وبهذا تهوى الأفكار التى أرجع إليها جولد زيهر نشأة القراءات إلى الحضيض ، ولا يكون لها أى وزن في البحث العلمى المقبول ؛ لأن المسلمين من جيل الصحابة ومن تبعهم بإحسان لم يتعلموا القرآن عن طريق الخط العربى من القراءة في المصاحف ، وإنما تعلموه سماعًا واعيًا ملفوظًا كما خرج من فم محمد صلى الله عليه وسلم ، ثم قيض الله لكتابه شيوخًا أجلاء حفظوه وتلوه غضًا طريًا كما كان صاحب الرسالة يحفظه ويتلوه كما سمعه من جبريل أمين الوحى.
أجل.. كان سيكون لأفكار جولد زيهر وجه من الاحتمال لو كان المسلمون يأخذون القراءة قراءة من مصاحف. أما وقد علمنا أن طريق تلقى القرآن هو السماع الموثق ، فإن أفكار جولد زيهر تذهب هباء في يوم ريح عاصف.
ثانيًا: إن القراءات الصحيحة مسموعة من جبريل لرسول الله صلى الله عليه وسلم ، ومسموعة من محمد صلى الله عليه وسلم لكتبة الوحى ، ومسموعة من محمد ومن كتبة الوحى لعموم المسلمين في صدر الإسلام الأول ، ثم شيوخ القرآن في تعاقب الأجيال حتى يرث الله الأرض ومن عليها.
لقد سمع المسلمون من محمد المعصوم عن الخطأ في التبليغ"فتبينوا"و"فتثبتوا"فى قوله تعالى:
(يا أيها الذين آمنوا إن جاءكم فاسق بنبأ فتبينوا ) (11) بالباء والياء والنون.
وسمعوها منه"فتثبتوا"بالتاء والثاء والباء والتاء وكلا القراءتين قرآن موحى به من عند الله. وليس كما توهم جولد زيهر، إنهما قراءتان ناشئتان عن الاضطراب الحاصل من خلو كلمات المصحف من النقط والشكل في أول أمره ؟.
والقراءتان ، وإن اختلف لفظاهما ، فإن بين معنييهما علاقة وثيقة ، كعلاقة ضوء الشمس بقرصها: لأن التبين ، وهو المصدر المتصيد من"فتبينوا"هى التفحص والتعقب في الخبر الذى يذيعه الفاسق بين الناس ، وهذا البَين هو الطريق الموصل للتثبت. فالتثبت هو ثمرة التبين. ومن تبيَّن فقد تثبت. ومن تثبت فقد تبين.
فما أروع هذه القراءات ، ورب السماوات والأرض وما فيهما وما بينهما ، إن قراءات القرآن لهى وجه شديد الإشراق من وجوه إعجاز القرآن ، وإن كره الحاقدون.
وكما سمع المسلمون من فم محمد ، الذى لا ينطق عن الهوى صلى الله عليه وسلم في الآية السابقة:"فتبينوا"و"فتثبتوا"سمعوا منه كذلك ،"يُفَصِّل"و"نُفصِّلُ"فى قوله تعالى:
(ما خلق الله ذلك إلا بالحق يفصل الآيات لقوم يعلمون ) (12) .
و"نفصل الآيات"
وفاعل الفصل في القراءتين واحد هو الله عز وجل:
وقد اختلف التعبير عن الفاعل في القراءتين ، فهو في القراءة الأولى"يفَصِّل"ضمير مستتر عائد على الله عز وجل في قوله: (ما خلق الله ذلك إلا بالحق) أى يفصل هو الآيات. فالفاعل هنا مفرد لعوده على مفرد"الله".
وفى القراءة الثانية عُبِّر عن الفاعل بضمير الجمع للمتكلم"نُفَصِّل"أى نفصل نحن.
والله واحد أحد ، ولكن النون فى"نفصل"لها معنى في اللغة العربية هو التعظيم إذا كان المراد منها فردًا لا جماعة. ووجه التعظيم بلاغةً تنزيل الفرد منزلة"الجماعة"تعظيمًا لشأنه ، وإجلالًا لقدره.
وفى هاتين القراءتين تكثير للمعنى ، وهو وصف ملازم لكل القراءات.
وللبلاغيين إضافة حسنة في قراءة"نفصل"بعد قوله:"ما خلق الله.."هى الانتقال من الغيبة فى"ما خلق الله"إلى المتكلم فى"نفصل"للإشعار بعظمة التفصيل وروعته.