فهرس الكتاب

الصفحة 1977 من 4557

إن حقيقة التوحيد ليست مركوزة في فطرة"الإنسان"وحده؛ ولكنها كذلك مركوزة في فطرة هذا الوجود من حوله - وما الفطرة البشرية إلا قطاع من فطرة الوجود كله. موصولة به غير منقطعة عنه، محكومة بذات الناموس الذي يحكمه - بينما هي تتلقى كذلك أصداءه وإيقاعاته المعبرة عن تأثره واعترافه بتلك الحقيقة الكونية الكبيرة..

إن ناموس التوحيد الذي يحكم هذا الوجود، واضح الأثر في شكل الكون، وتنسيقه، وتناسق أجزائه، وانتظام حركته، واطراد قوانينه، وتصرفه المطرد وفق هذه القوانين.. وأخيرًا - حسب العلم القليل الذي وصل إليه البشر - وحدة الجوهر الذي تتألف منه ذراته، وهو الإشعاع الذي تنتهي إليه المواد جميعًا عند تحطيم ذراتها وإطلاق شحناتها..

ويومًا بعد يوم يكشف البشر أطرافًا من ناموس الوحدة في طبيعة هذا الكون، وطبيعة قوانينه التي تحكم تصرفاته - في غير آلية حتمية ولكن بقدر من الله مطرد متجدد وفق مشيئة الله الطليقة - ولكننا نحن لا نعتمد على هذا الذي يكشفه علم البشر الظني - الذي لا يمكن أن يكون يقينيًا بحكم وسائله البشرية - في تقرير هذا الناموس. إنما نحن نستأنس به مجرد استئناس. واعتمادنا الأول في تقرير أية حقيقة كونية مطلقة، على ما قرره لنا الخالق العليم بما خلق. والقرآن الكريم لا يدع مجالًا للشك في أن الناموس الذي يحكم هذا الكون هو ناموس الوحدة، الذي أنشأته المشيئة الواحدة للخالق الواحد سبحانه.

كما أنه لا يدع مجالًا للشك في عبودية هذا الكون لربه، واعترافه بوحدانيته، وعبادته له بالكيفية التي يعلمها الله ولا نعرف عنها إلا ما يخبرنا به؛ وما نراه من آثارها في انتظامه ودأبه واطراده.

هذا الناموس الذي يصرف الكون كله - بقدر الله المطرد المتجدد وفق مشيئة الله الطليقة - سارٍ كذلك في كيان الإنسان - بوصفه من كائنات هذا الكون - مستقر في فطرته، لا يحتاج إلى وعي عقلي للإحساس به؛ فهو مدرك بالفطرة، مستقر في صميمها، تستشعره بذاتها، وتتصرف وفقه، ما لم يطرأ عليها الخلل والفساد، فتنحرف عن إدراكها الذاتي له، وتدع للأهواء العارضة أن تسيرها، بدلًا من أن تسير وفق قانونها الداخلي القويم.

هذا الناموس - بذاته - هو ميثاق معقود بين الفطرة وخالقها. ميثاق مودع في كيانها، مودع في كل خلية حية منذ نشأتها. وهو ميثاق أقدم من الرسل والرسالات. وفيه تشهد كل خلية بربوبية الله الواحد، ذي المشيئة الواحدة، المنشئة للناموس الواحد الذي يحكمها ويصرفها. فلا سبيل إلى الاحتجاج بعد ميثاق الفطرة وشهادتها - سواء أكان بلسان الحال هذا أم بلسان المقال كما في بعض الآثار - لا سبيل إلى أن يقول أحد: إنه غفل عن كتاب الله الهادي إلى التوحيد. وعن رسالات الله التي دعت إلى هذا التوحيد. أو يقول: إنني خرجت إلى هذا الوجود، فوجدت آبائي قد أشركوا فلم يكن أمامي سبيل لمعرفة التوحيد. إنما ضل آبائي فضللت فهم المسؤولون وحدهم ولست بالمسؤول! ومن ثم جاء هذا التعقيب على تلك الشهادة:

ورَفَعْنا فوقهم الطُّورَ بميثاقهم

وإذْ نَتَقْنا الجبل فوقهم كأنه ظُلَّةٌ وظنوا أنه واقعٌ بهم (آية 171) . وهو يشبه ما ورد في النساء 4: 154 ورَفَعْنا فوقهم الطُّورَ بميثاقهم .

قال الخازن (جزء 2) إن أصحاب الأخبار قالوا إن بني إسرائيل لما أبوا أن يقبلوا أحكام التوراة، لما فيها من التكاليف الشاقة، أمر الله جبريل فرفع جبلًا عظيمًا حتى صار على رؤوسهم كالظّلَّة. فلما نظروا إلى الجبل فوق رؤوسهم خرّوا ساجدين، فسجد كل واحد منهم على خدّه وحاجبه الأيسر، وجعل ينظر بعينه اليمنى إلى الجبل خوفًا أن يسقط عليه، ولذلك لا تسجد اليهود إلا على شق وجوههم الأيسر.

فهذه الأقوال من الخرافات القديمة اليهودية. أما كتاب الله فيعلّمنا أنه لما أنزل الله الشريعة على موسى بمرأى من بني إسرائيل، رأوا الرعود والبروق وصوت البوق والجبل يدخّن، ففزعوا وارتعدوا ووقعت هيبة الله وموسى في قلوبهم (خروج 20: 18

الرد

{ وإذ نتقنا الجبل فوقهم كأنه ظلة، وظنوا أنه واقع بهم. خذوا ما آتيناكم بقوة، واذكروا ما فيه لعلكم تتقون } .

إنه ميثاق لا ينسى.. فقد أخذ في ظرف لا ينسى! أخذ وقد نتق الله الجبل فوقهم كأنه ظلة، وظنوا أنه واقع بهم! ولقد كانوا متقاعسين يومها عن إعطاء الميثاق؛ فأعطوه في ظل خارقة هائلة كانت جديرة بأن تعصمهم بعد ذلك من الانتكاس. ولقد أمروا في ظل تلك الخارقة القوية أن يأخذوا ميثاقهم بقوة وجدية، وأن يستمسكوا به في شدة وصرامة، وألا يتخاذلوا ولا يتهاونوا ولا يتراجعوا في ميثاقهم الوثيق، وأن يظلوا ذاكرين لما فيه، لعل قلوبهم تخشع وتتقي. وتظل موصولة بالله لا تنساه!

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت