فهرس الكتاب

الصفحة 589 من 4557

وعلم الشريف فكبرت عليه نفسه . وأخذته العزة بالإثم ، وظل يحاول أن ينجو من حكم الشريعة الصارم الذي يسوي بينه وبين كل نفس آدمية في الوجود . فلما يئس فر من وجه عمر . وارتد في النهاية عن الإسلام ! !

هذا هو الإسلام . لا طبقات ولا مزايا تشريعية للطبقات .

أما الثروة واختلاف الناس فيها فموضوع آخر لا يجوز أن يختلط في أذهاننا بمسألة الطبقات ، ما دامت لا ترتب لمالكيها حقوقًا تشريعية أو قضائية ليست لبقية طوائف الشعب . وما دامت الشريعة ـ في واقع الأمر لا في المثل والخيالات ـ تطبق بطريقة واحدة على جميع الناس .

وقد رأينا أن الملكية الزراعية لم ترتب للملاك في الإسلام حقوقًا يستعبدون بها الآخرين أو يستغلونهم ، وكذلك الحال في الملكية الرأسمالية لو وجدت في مجتمع إسلامي صحيح ، ذلك أن الحاكم لا يستمد نفوذه من تأييد طبقة الملاك ، وإنما من انتخاب الأمة له وقيامه بتنفيذ شريعة الله .

يضاف إلى ذلك كله ما ذكرناه من قبل من أنه لا يوجد مجتمع في الأرض كلها قد تساوت الثروة فيه بين جميع السكان ، حتى المجتمع الشيوعي الذي يقول ـ صادقًا أو كاذبًا ـ إنه ألغى نظام الطبقات ، وأبقى طبقة واحدة هي التي تملك وتحكم ، وتفني غيرها من الطبقات! ( محمد قطب )

أَوَهذه هي العدالة الاجتماعية التي تمنوننا بها يا دعاة الإسلام ؟ أن يعيش الشعب عالة على الصدقات التي يدفعها المحسنون من الأغنياء ؟ وتسمون هذه عدالة ؟ وترضون لكرامة الناس هذا الهوان ؟

كذلك يقول لك الشيوعيون والذين استعبد الاستعمار أرواحهم وأفكارهم فلم يعودوا يفقهون ما يقولون . وأبرز خطئهم وأخطره هو ظنهم أن الزكاة صدقة يتفضل بها الأغنياء على الفقراء . ولا يمكن أن يتصور المسألة على هذا الوضع إنسان له عقل سليم يرى الأمور في واقعها ، لا كما يريد له السادة الذين يحركونه كما تحرك لعبة"الأراجوز"! فأبسط قدر من المنطق كفيل بأن يقنعهم أن الإحسان تطوع لا يفرضه حاكم ولا تشريع. والزكاة فريضة يقررها الشرع وتقاتل عليها الدولة الممتنعين عن أدائها ، وتقتلهم إذا أصروا على امتناعهم ، لأنهم حينئذ يعتبرون مرتدين . فهل يمكن أن يحدث شيء من ذلك في الإحسان المتروك لدافع الضمير ؟ !

إن الزكاة ـ من جانبها المالي ـ هي أول ضريبة نظامية في تاريخ الاقتصاد في العالم. فقد كانت الضرائب قبل ذلك تفرض حسب هوى الحكام وبقدر حاجتهم إلى الأموال لتنفيذ مآربهم الشخصية ، وكان حملها يقع دائمًا على الفقراء أكثر مما يقع على الأغنياء ، أو عليهم وحدهم دون الأغنياء .

وجاء الإسلام فنظم جباية الأموال ، فجعل لها نسبة معينة لا تتجاوزها ـ في الأحوال العادية ـ وجعل حملها على الأغنياء والمتوسطين وأعفى منها الفقراء .

هذه هي الحقيقة الأولى التي ينبغي أن تقر في أذهاننا بشأن الزكاة . وهي بديهية لا تحتاج في الواقع إلى جدل ولا برهان .

والحقيقة الثانية أن الذي يوزع حصيلة الزكاة على الفقراء هو الدولة ذاتها لا الأغنياء بأشخاصهم . الدولة هي التي تجمعها وهي التي توزعها . وليس بيت المال إلا وزارة المالية التي تجمع الميزانية العامة ثم تعيد توزيعها على مختلف مرافق الدولة . فإذا كانت الدولة تقوم بكفالة المحتاجين ـ بسبب عجزهم الكامل عن الكسب ، أوعدم كفاية مواردهم للحياة الكريمة ـ فليس هذا تفضلًا وإحسانًا ، وليس فيه ما يغض من كرامة المحتاجين . وهل يحس الموظفون الذين تمنحهم الدولة معاشًا أو العمال الذين تصرف لهم تأمينًا أنهم متسولون يعيشون على حساب الأغنياء ؟ والأطفال والشيوخ العاجزون عن الكسب .. هل يخدش كرامتهم أن تنفق الدولة عليهم من مالها ما دامت تقوم بذلك أداءً لواجبها ؟ إن مبدأ كفالة الدولة هوأحدث المبادئ التي اهتدت إليها البشرية بعد تجارب كثيرة ، وبعد تخبط طويل في الظلم الاجتماعي . فمن مفاخر الإسلام أنه قرره في وقت كانت أوربا تعيش في الظلمات . أم إن النظام يصبح جميلًا وبراقًا حين يأتينا من الغرب أو الشرق ، ولكنه تأخر وانحطاط حين ينادي به الإسلام ؟

والحقيقة الثالثة أنه إذا كانت حياة الناس في صدر الإسلام قد اقتضت أو تقبلت أن يأخذ الفقراء الزكاة نقدًا أوعينًا في أيديهم ، فليس في الإسلام ما ينص على أن هذه هي الطريقة الوحيدة لتوزيع الزكاة . وليس هناك ما يمنع من إعطائها لمستحقيها في صورة مدارس مجانية يعلمون فيها أبناءهم ، ومستشفيات مجانية يتداوون فيها ، وجمعيات تعاونية تسهل لهم وسائل العيش ، ومصانع أو مؤسسات يرتزقون منها رزقًا دائمًا . إلى آخر ما يوحيه العصر الحديث من وسائل الخدمة الاجتماعية . فلا تعطى الزكاة نقدًا إلا للعاجزين بسبب المرض أو الشيخوخة أو الطفولة .

ويأخذها غيرهم في صورة عمل وخدمات تحقق قوله تعالى:"وفي سبيل الله".

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت