فهرس الكتاب

الصفحة 2885 من 4557

فلما أنزل الله تعالى: { ترجي من تشاء منهن وتؤوي من تشاء ومن ابتغيت ممن عزلت فلا جناح عليك }

قلت: ما أرى ربك إلا يسارع في هواك !!)

وبعض المسلمين المتصدين للرد على الشبهات يجردون رسول الله صلى الله عليه وسلم من رجولته وفحولته التي هي من صفات الكمال البشري التي تحمدها العرب ظنًا منهم أنهم بذلك ينزهونه صلى الله عليه وسلم عما يشين مقام النبوة فيجعلونه كالعنين ناقص الذكورة الذي لا يهوى ولا يشتهي النساء .. فهذا مسلك غير حميد ؛ لأنه يخرج النبي صلى الله عليه وسلم عن آدميته ويجعله في مقام من لا تميل نفسه إلى شهوة مباحة أبدًا ، وبعد هذا يظن أنه ينزهه فيكون قد أعطاه صفة سلب لا مدح فيها .

ثم إنه ينبغي التفريق بين أمرين:

1-الهوى والشهوة المستقرة في النفس البشرية وهي مجبولة عليها .

2-اتباع الهوى ومخالفة الشرع في ذلك .

فأما النوع الأول فليس بمذموم لأنه ليس للأنسان يدٌ في ذلك البتة , فكيف يذم في شيء قد ركز في الطباع ؟

بل أذهب أبعد من ذلك - ولست أبالغ - , أن من لم يكن ذا شهوة فهو ناقص عن أقرانه , فمن لا يشتهي النساء رجل ناقص الذكورة ؛ فلا يمدح بذلك عرفًا ولا يرغبه الناس , بل هو عيب يحق للقاضي أن يفرق بين الزوجين بسببه وهو ما يسمى العنين .. فإذا كان نقص هذه الشهوة عيب ، فما يقابلها كمال بشري يمدح صاحبها .

وأما النوع الثاني وهو اتباع الهوى ومخالفة الشرع في ذلك ؛ فهذا هو المذموم وقد جاءت النصوص بذلك كما هو معلوم .

لهذا يجب فهم قول عائشة رضي الله عنها في ضوء هذا التفريق لأن ما فهمه الصحابة والمسلمون أن النبي صلى الله عليه وسلم بشر يتزوج ويشتهي النساء كبقية البشر وليس في ذلك تثريب - كما تقدم - , وأما الكفار فهم الذين ذكر الله عنهم أنهم يستنكرون هذا على رسل الله , فأجابهم الله بقوله: { ولقد أرسلنا رسلًا من قبلك وجعلنا لهم أزواجًا وذرية } [الرعد:38] .

قال ابن الجوزي رحمه الله: (( سبب نزولها أن اليهود عيروا رسول الله صلى الله عليه وسلم بكثرة التزويج، وقالوا: لو كان نبيًا كما يزعم ، شغلته النبوة عن تزويج النساء ، فنزلت هذه الآية، قاله أبو صالح عن ابن عباس ) )زاد المسير (4/336) .

فأهل القلوب المريضة هم الذين يجعلون هذا طعنًا في النبوة , أما أهل الفطر السليمة والعقول المستقيمة , فيعلمون ان ذلك لا يضر الرسالة بأدنى ضرر.

وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين

الرد على الشبهة:

الحق الذى يجب أن يقال.. أن هذه الرواية التى استندتم إليها ـ يا خصوم الإسلام ـ ليست صحيحة رغم ورودها في صحيح البخارى ـ رضى الله عنه ـ ؛ لأنه أوردها لا على أنها واقعة صحيحة ، ولكن أوردها تحت عنوان"البلاغات"يعنى أنه بلغه هذا الخبر مجرد بلاغ ، ومعروف أن البلاغات في مصطلح علماء الحديث: إنما هى مجرد أخبار وليست أحاديث صحيحة السند أو المتن (1) .

وقد علق الإمام ابن حجر العسقلانى في فتح البارى (2) بقوله:

"إن القائل بلغنا كذا هو الزهرى ، وعنه حكى البخارى هذا البلاغ ، وليس هذا البلاغ موصولًا برسول الله صلى الله عليه وسلم ، وقال الكرمانى: وهذا هو الظاهر".

هذا هو الصواب ، وحاش أن يقدم رسول الله ـ وهو إمام المؤمنين ـ على الانتحار ، أو حتى على مجرد التفكير فيه.

وعلى كلٍ فإن محمدًا صلى الله عليه وسلم كان بشرًا من البشر ولم يكن ملكًا ولا مدعيًا للألوهية.

والجانب البشرى فيه يعتبر ميزة كان صلى الله عليه وسلم يعتنى بها ، وقد قال القرآن الكريم في ذلك: (قل سبحان ربى هل كنت إلا بشرًا رسولًا) (3) .

ومن ثم فإذا أصابه بعض الحزن أو الإحساس بمشاعر ما نسميه - في علوم عصرنا - بالإحباط أو الضيق فهذا أمر عادى لا غبار عليه ؛ لأنه من أعراض بشريته صلى الله عليه وسلم.

وحين فتر (تأخر) الوحى بعد أن تعلق به الرسول صلى الله عليه وسلم كان يذهب إلى المكان الذى كان ينزل عليه الوحى فيه يستشرف لقاء جبريل ، فهو محبّ للمكان الذى جمع بينه وبين حبيبه بشىء من بعض السكن والطمأنينة ، فماذا في ذلك أيها الظالمون دائمًا لمحمد صلى الله عليه وسلم في كل ما يأتى وما يدع ؟

وإذا كان أعداء محمد صلى الله عليه وسلم يستندون إلى الآية الكريمة: (فلعلك باخع نفسك على آثارهم إن لم يؤمنوا بهذا الحديث أسفًا) (4) .

فالآية لا تشير أبدًا إلى معنى الانتحار ، ولكنها تعبير أدبى عن حزن النبى محمد صلى الله عليه وسلم بسبب صدود قومه عن الإسلام ، وإعراضهم عن الإيمان بالقرآن العظيم ؛ فتصور كيف كان اهتمام الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم بدعوة الناس إلى الله ، وحرصه الشديد على إخراج الكافرين من الظلمات إلى النور.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت