فهرس الكتاب

الصفحة 3308 من 4557

وقد جاء في حديث آخر إطلاق الرعية على المسلمين في الحديث الذي رواه البخاري وغيره"ما من وال يلي رعية من المسلمين فيموت وهو غاشٌّ لهم إلاَّ حرَّم الله عليه الجنة".

فكيف أغمض برو كلمان عينيه عن هذا كله واستجاز لعلمه أن يدَّعي بأن المسلمين نظروا إلى الأعاجم نظرة القطيع وأنهم أطلقوا عليهم وحدهم لفظ"الرعية"؟ ليس له سند إلا أن لفظ الرعية يطلق على الغنم أيضًا ، وقد علمت معانيها اللغوية ، أما تخصيص إطلاقها بالإعاجم فليس له سند ولا شبه يتعلق بها ، وإنما هو الهوى والغرض .

4-زعم المستشرق"مايور"كما نقله عنه"مرجليوث"أن أهل البدو كانوا كثيري الاهتمام بتعلم البلاغة وطلاقة اللسان فلا يبعد أن النبي ( عليه الصلاة والسلام ) مارس هذا الفن حتى نبغ فيه .

وهذا يعطينا صورة عن موازين البحث عن هؤلاء ، فالمسألة عنده تقوم على استنتاج وهمي من أمر لم يقع ، فلا العرب كانوا يتعلمون البلاغة ، ولا كانت لها مدارس وأساتذة يضعون قواعدها ، ولا النبي صلى الله عليه وسلم عرف عنه قبل النبوة فعل ذلك ، ولبس بين أيدينا نص واحد يثبته بل إن المؤكد أن الرسول صلى الله عليه وسلم لم ينقل عنه أثر من نثر أو شعر قبل النبوة وقبل أن يتنزل عليه القرآن الكريم .

وأمر آخر يكشف لنا عن أساس ثالث من أسس النقد والبحث عند هؤلاء المستشرقين هو إفراطهم في اختراع العلل والاسباب والحوادث التي يدرسونها اختراعًا ليس له سند إلا التخيل والتحكم ، ويزيد في فساد أسلوبهم هذا انهم يتخيلون أحداث الشرق والغرب وعاداتهم وأخلاقهم بأوهامهم وخيالاتهم الغربية عن الشرق والغرب والمسلمين ، ولا يريدون أن يعترفوا بأن لكل بيئة مقاييسها وأذواقها وعاداتها .

وقد أحسن المستشرق الفرنسي المسلم"ناصر الدين دينيه"في حديثه عن أسلوب المستشرقين وموازينهم في الحكم على الأشياء مما جعلهم يتناقضون فيما بينهم تناقضًا واضحًا في الحكم على شيء واحد ، كل ذلك لأنهم حاولوا أن يحللوا السيرة المحمدية وتاريخ ظهور الاسلام بحسب العقلية الأوربية فضلُّوا بذلك ضلالًا بعيدًا لأن هذا غير هذا ، ولأن المنطق الاوربي لا يمكن أن يأتي بنتائج صحيحة في تاريخ الأنبياء الشرقيين .

ثم قال إن هؤلاء المستشرقين الذين حاولوا نقد سيرة النبي صلى الله عليه وسلم بهذا الأسلوب الأوروبي البحت لبثوا ثلاثة أرباع قرن يدققون ويمحصون بزعمهم ، حتى يهدموا ما اتفق عليه الجمهور من المسلمين من سيرة نبيهم ، وكان ينبغي لهم بعد هذه التدقيقات الطويلة العريضة العميقة أن يتمكنوا من هدم الآراء المقررة والروايات المشهورة من السيرة النبوية ، فهل تسنى لهم شيء من ذلك ؟

الجواب ، أنهم لم يتمكنوا من إثبات أقل شيء جديد ، بل إذا أمعنا النظر في الآراء الجديدة التي أتى بها هؤلاء المستشرقون ، من فرنسيين وإنجليز وألمان وبلجيكيين وهولانديين - إلخ - لا نجد إلا خلطًا ، وإنك لترى كل واحد منهم يقرر ما نقضه غيره من هؤلاء المدققين بزعمهم أو ينقض ما قرره .

ثم أخذ"دينيه"يورد الأمثال على هذه المتناقضات وختم كلامه بقوله:

وإن أردنا استقصاء هذه التناقضات التي نجدها بين تمحيصات هؤلاء الممحصين بزعمهم يطول بنا الأمر ، ولا نقدر أن نعرف أية حقيقة ، ولا يبقى أمامنا إلا أن نرجع إلى السير النبوية التي كتبها العرب ، فأما المؤلفون الذين زعموا أنهم يريدون ترجمة محمد بصورة علمية شديدة التدقيق فلم يتفقوا منها ولو على نقطة مهمة ، وبرغم جميع ما نقبوه ونقروه ، وحاولوا كشفه بزعمهم ، فلم يصلوا ولن يصلوا إلا إلى تمثيل أشخاص في تلك السيرة ليسوا أعرق في الحقيقة الواقعية من أبطال أقاصيص فالتر سكوت وإسكندر دوماس ، فهؤلاء القصاص تخيلوا أشخاصًا من أبناء جنسهم يقدرون أن يفهموهم ، ولم يلحظوا إلا اختلاف الأدوار بينهم ، أما أولئك المستشرقون فنسوا أنه كان عليهم قبل كل شيء أن يسدُّو الهوة السحيقة التي تفصل بين عقليتهم الغربية والأشخاص الشرقيين الذين يترجمونهم ، وأنهم بدون هذه الملاحظة جديرون بأن يقعوا في الوهم في كل نقطة .

(الشبكة الإسلامية)

منزلة الصحابة ومكانتهم في الدين أمر لا يجادل فيه مسلم صادق في إسلامه ، فهم الذين اختصهم الله لصحبة نبيه - صلى الله عليه وسلم - فصدقوه وآزروه ونصروه واتبعوا النور الذي أنزله معه ، وبذلوا في سبيل دينهم المهج والأرواح والغالي والنفيس ، حتى اكتمل بنيانه واشتدت أركانه ، فكانوا خير جيل عرفته البشرية ، وخير أمة أخرجت للناس ، وكانوا أهلا لرضوان الله ومحبته .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت