فهرس الكتاب

الصفحة 4053 من 4557

وقال المجلسي في"بحاره" (19/352) من كتاب تاريخ نبينا باب غزوة بدر الكبرى قال البلاذري: روي أن هبار بن الأسود كان ممن عرض لزينب بنت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم حين حملت من مكة إلىالمدينة، فكان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يأمر سراياه إن ظفروا به أن يحرقوه بالنار، ثم قال:"لا يعذب بالنار إلا رب النار"وأمرهم إن ظفروا به أن يقطعوا يديه ورجليه ويقتلوه .. .

و أيضًا أحرق عليًا قومًا من السبئية ؟ وقال:

لما رأيت الأمر أمر منكرا ** أوقدت نارى ودعوت قنبرا .

فما رأي العلامة عبدالحسين الذي بالغ في البحث والتنقيب ؟ !!

المراد من هذه الشبهة أنه: لا يجب تقليد الأشعري ولا أحد الأئمة الأربعة، لأنه لا يجب تقليدهم إلا بدليل من الكتاب أو السنة، ولا يوجد دليل فيهما على وجوب تقليدهم.

فنقول: لا يمكن أن تكون القضية هي المنع من تقليد المذكورين خاصة لأنه يقتضي أن يرد النهي عن تقليدهم خاصة، وهو لم يرد بالاتفاق. فلا بد من ورود النهي عن تقليدهم بلفظ يعمهم. ولا نجد لفظًا يعم الأئمة المذكورين غير لفظ العلماء، فإن رفضته فأتنا بلفظ يجمعهم ورد النهي به عن وجوب اتباعهم لننظر فيه. وإن قبلته فلا بد لكي يتم لك مرادك أن يرد النهي عن مطلق التقليد، أو عن تقليد العلماء مطلقًا، أو يرد الأمر بوجوب تقليد علماء مخصوصين حصرًا. لنا القول ببطلان الثلاثة. أما الثالث وهو وجوب تقليد علماء مخصوصين فباطل بالاتفاق، لأننا لا نجد عليه دليلًا ولأنك عقدت فصلًا كاملًا في إثبات النهي عن التقليد وإيجاب الأخذ من القرآن والسنة مباشرة من كل إنسان. وأما الأول ففي إبطال الثاني غنية عن إبطاله، لأن إبطاله يستلزم إبطال الأول.

فاعلم أنك إذا كنت تريد منع الوجوب من تقليد معيّنين فلا أحد من أهل السنة يقول بوجوب تقليد واحد بعينه من العلماء، لا على المجتهد ولا على العاميّ. أما المجتهد فلأنه لا يجوز له التقليد عندنا، وأما العامي فلأن له أن يقلد أي عالم -أي مجتهد- موثوق بعلمه بصرف النظر عن مذهبه. هذا في العمليات. أما في العقائد فأهل السنة يحرمون التقليد، ويوجبون على العينية معرفة أدلتها ولو إجمالًا. وبذلك سقط استدلالك علينا بالمنع من وجوب تقليد أحد على التعيين، لأنا لا نقول به لا في أصول الدين ولا في فروعه.

واعلم أننا لا نسلم عدم وجود دليل في الكتاب أو السنة يوجب تقليد العلماء. فإن العامي مطالب بالرجوع فيما يعرض له من مهمات دينه إلى العلماء وجوبًا ولا على التعيين، والدليل من القرآن الكريم قوله تعالى: (فَاسْأَلُواْ أَهْلَ الذِّكْرِ إِن كُنتُمْ لاَ تَعْلَمُونَ(، و(وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَى أُوْلِي الأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنبِطُونَهُ مِنْهُمْ(. ومنه يؤخذ انتفاء(النهي عن تقليد العلماء مطلقًا) المستلزم لانتفاء النهي عن مطلق التقليد. ويؤخذ منه جواز تقليد أئمة الفقه الأربعة، لدخولهم في عموم العلماء. فيصير الأخذ عن العلماء واجبًا على غير العالم، وممن يجوز الأخذ عنه أحد الأئمة الأربعة لكونهم علماء.

ثم نقول: إن بلاد المسلمين من أهل السنة ليس فيها إلا أربعة مذاهب فقهية معتبرة هي الحنفي والمالكي والشافعي والحنبلي، ولا وجود لمذهب مأصل مقعد متكامل في جميع أبواب الفقه غيرها بالاستقراء. فإن عرض للعامي شيء يستدعي السؤال فمن يستفتي؟ إنه لن يجد أحدًا يفتيه إلا على أحد هذه المذاهب. فإن كان معنى كلامك أن على أهل السنة أن يعتبروا المذهب الجعفري أو غيره من مذاهب الإمامية ويستفتون سادتهم كما يرجعون إلى مشايخ المذاهب الأربعة، فذلك مما لا يتصور حصوله. وإن يوافق أهل التقريب على ذلك يومًا لكن عليهم أن يشترطوا عليكم المثل إن كان لهم بقية من الكرامة، وسيفاجأون عندها أن الشيعة لن يرضوا بذلك حتى يلج الجمل في سمّ الخياط، لأنهم لا يجيزون اتباع أهل السنة والتعبد بمذهبهم إلا تقية، ولا يحبون موافقتهم في شيء.

وأخيرًا فإن الكاتب تذرع بانتفاء دليل يوجب التقليد لأنه لا يستطيع أن يقيم الدليل على عدم جواز التقليد. فمقصده في النهاية الوصول إلى وجوب تقليد الأئمة من آل البيت حصرًا. وقد سبق بيان فساده لعدم تعينهم وذلك لفقد الدليل على طريقة تعيينهم عند الإمامية، وفساد حجة وجوب اتباعهم. ولكن نفي جواز أو وجوب مطلق التقليد مما لا يفيدك في الاستدلال على وجوب تقليد الأئمة من آل البيت، فالمنع من وجوب تقليد العلماء مطلقًا منع من تقليدهم. أما ادعاء وجوب تقليدهم لدليل آخر كعصمتهم ولكونهم مصدرًا من مصادر التشريع. فقد بان فساده مما مضى. وفي رأيي أن الإمامية لم يكونوا بحاجة لإثبات العصمة لأئمتهم إذا كان مرادهم أن يوجبوا على الناس اتباعهم والولاء لهم والائتمام بهم، وكان يكفيهم لو أتوا بأدلة شرعية تجعل منهم الأئمة والقدوة. فتأمل.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت