فهرس الكتاب
- 📄
- 📄
أما بعض المرويات التى يفهم منها البعض شكًّا في حفظ كل ما نزل على رسول الله صلى الله عليه وسلم من القرآن.. فإن منطق العقل ، ومنهاج البحث العلمى ، وقواعد نقد النصوص والمرويات ، التى اتفق عليها العلماء والعقلاء من كل الحضارات والفلسفات والأنساق الفكرية.. كلها تؤكد على ضرورة الموازنة بين المتعارض والمتناقض من الروايات.. والأخذ بالمصدر الأوثق عند تعذر الجمع بين المرويات.. فإذا كان لدينا ـ على نحو ما قدمنا ـ شهادة العقل الصريح على أن حفظ القرآن ـ كل القرآن ـ هو ضرورة عقلية ، تقتضيها حقيقة ختم النبوة والرسالة واكتمال الوحى.. وإذا كانت شهادة العقل الصريح هذه مدعومة بنصوص آيات القرآن الكريم ، أى بالمصدر المعجز ، قطعى الدلالة والثبوت.. فهل يكون عاقلًا من يترك شهادة العقل الصريح ، والنقل المعجز الصحيح ، ويلتفت إلى رواية من روايات يعلم الله من رواها ؟ ولماذا رواها ؟.
إن منطق البحث العلمى ، الذى أجمع عليه كل عقلاء الدنيا ، في التعامل مع النصوص ، قد حسم هذه القضية التى نرجو أن تكون هذه الإجابة حاسمة للشبهة المثارة حولها.. والله من وراء القصد ، منه نلتمس الهداية والحكمة والرشاد..
هناك ـ بالنسبة للقرآن الكريم ـ من يعتبرون أنه غير صالح لكل زمان ، وأنه وقتى ، أى أنه جاء لوقت قد مضى ، ولا يتلاءم مع العصر الحالى ، وأنه يجب أن تتغير تفسيراته بما يناسب هذا الوقت. وعلى سبيل المثال:
ـ إرث المرأة (للذكر مثل حظ الأنثيين) يقولون: إن هذه الآية قد جاءت لزمن معين ويجب أن تتغير ، بحيث يتساوى الرجل والمرأة في الإرث.
ـ وكذلك الأمر بالنسبة لشهادة المرأة حيث يطالبون بمساواة الرجل بالمرأة من حيث الشهادة.. (انتهى) .
الرد على الشبهة:
أما القول بتاريخية ـ أو تاريخانية ـ ووقتية أحكام القرآن الكريم.. بمعنى"أنها غير صالحة لكل زمان".. فإن لنا عليها ملاحظات نسوقها في عدد من النقاط:
أولها: أن هذه الدعوى ليست جديدة ، فلقد سبق وتبناها فلاسفة التنوير الغربى الوضعى العلمانى ، بالنسبة للتوراة والإنجيل.. فرأوا أن قصصها مجرد رموز ، بل ورأوا أن الدين والتدين إنما يمثل"مرحلة تاريخية"فى عمر التطور الإنسانى ، مثلت مرحلة طفولة العقل البشرى ، ثم تلتها ـ على طريق النضج ـ مرحلة"الميتافيزيقا"، التى توارت هى الأخرى لحساب المرحلة الوضعية ، التى لا ترى علمًا إلا إذا كان نابعًا من الواقع ، ولا ترى سبلًا للعلم والمعرفة إلا العقل والتجارب الحسية.. وما عدا ذلك ـ من الدين وأحكام شرائعه ـ فهى"إيمان"مَثَّل مرحلة تاريخية على درب التطور العقلى ، ولم يعد صالحًا لعصر العلم الوضعى ـ اللهم إلا لحكم العامة والسيطرة على نزعاتهم وغرائزهم !.
هكذا بدأت وتبلورت نزعة"تاريخية وتاريخانية"النصوص الدينية في فكر التنوير الغربى العلمانى والنهضة الأوروبية الحديثة..
وإذا كان هذا القول قد جاز ، ووجد له بعض المبررات ـ في الغرب ـ بالنسبة لكتب رسالات خاصة بقوم بعينهم ـ بنى إسرائيل ـ الذين جاءتهم اليهودية والمسيحية ، ونزلت لهم التوراة والإنجيل ـ.. ولزمان معين.. وبتفاصيل تشريعات ـ وخاصة في التوراة ـ تجاوزها تطور الواقع ، فإن دعوى تاريخية النص الدينى لا مكان لها ولا ضرورة تستدعيها بالنسبة للقرآن الكريم..
ذلك أن القرآن هو كتاب الشريعة الخاتمة ، والرسالة التى ختمت بها النبوات والرسالات ، فلو طبقنا عليه قاعدة تاريخية النصوص الدينية لحدث"فراغ"فى المرجعية الدينية ، إذ لا رسالة بعد رسالة محمد صلى الله عليه وسلم ، ولا وحى بعد القرآن.. وإذا حدث هذا"الفراغ"فى المرجعية والحجة الإلهية على الناس ، زالت حجة الله على العباد في الحساب والجزاء ، إذ سيقولون: يا ربنا ، لقد أنزلت علينا كتابًا نسخه التطور ، فماذا كان علينا أن نطبق ، بعد أن تجاوز الواقع المتطور آيات وأحكام الكتاب الذى أنزلته لهدايتنا ؟!.