فهرس الكتاب

الصفحة 626 من 4557

وأنا أعلم أن البعض قد ضجروا من هذا العرض الذي قدمناه للجانب الفكري من الإسلام والشيوعية ، لأنهم لا يؤمنون بالمسائل النظرية ، ويحسبونها"دردشة"فارغة ، أو يحسبون أن المسائل العملية وحدها هي التي تستحق العناية ، وأن كل شيء يمكن تسويته إذا أمكن التطبيق العملي ، ولذلك فهم يتلهفون إلى معرفة الاصطدام العملي بين الإسلام والشيوعية .

ونحن لا نقرهم على الاستهانة بالجانب النظري أو التصوري ، لأنه لا انفصال بينه وبين الجانب العملي ، ولكنا مع ذلك نجيبهم إلى ذكر أوجه الخلاف العملية . وهي كذلك تشتمل على عدة أمور .

الأمر الأول: أن الإسلام يعتبر الوظيفة الأولى للمرأة هي رعاية الإنتاج البشري . ولا يستريح إلى خروجها من مملكتها إلى المصانع والمزارع إلا في حالة الضرورة . والضرورة هي عدم وجود عائل يكفلها سواء أكان أبًا أم أخًا أم زوجًا أم قريبًا .

ولكن الشيوعية - الاقتصادية - تحتم اشتغال المرأة ساعات كاملة كالرجل سواء . وبصرف النظر عن حماقة الفلسفة الشيوعية في هذا الباب ، وإنكارها للتفرقة بين الرجل والمرأة في الوظيفة والكيان النفسي ، فإن الاقتصاد الشيوعي ذاته قائم على أساس زيادة الإنتاج المادي إلى الحد الأقصى ، وهذا لا يتوفر إلا باشتغال جميع أفراد الشعب في المصانع والمعامل والمزارع ، وعدم احتجاز المرأة عن العمل إلا في شهور الولادة فقط . والمحاضن بعد ذلك تتولى الإشراف على الأطفال على طريقة الإنتاج الكبير Mass Production ( ) .

فإذا طبقنا الشيوعية الاقتصادية فستخرج المرأة ـ كل امرأة ـ للعمل . ونخرج بذلك عن ركن ركين من التصور الإسلامي الذي يقيم كل نظامه الاجتماعي والخلقي - والاقتصادي أيضًا - على أساس اختصاص المرأة بشئون الأسرة الداخلية ، وإختصاص الرجل بشئونها الخارجية ، توزيعًا للعمل ومراعاة للاختصاص ( ) . فإذا قال قائل: ليس من الضروري أن تعمل المرأة في المصنع ، فقد خرج إذن من الشيوعية ( والذي يقول ذلك هم الشيوعيون أنفسهم لا نحن ) وأصبحت المسألة مجرد زيادة الإنتاج ، وهو هدف حيوي أصيل دون شك ، ولكنه لا يحتاج إلى اعتناق الشيوعية - الاقتصادية - لأن الشيوعية ذاتها قد تعلمت زيادة الإنتاج من أوربا الرأسمالية ( ) . وقيام حكم إسلامي لن يمنع استخدام أحدث الوسائل لزيادة الإنتاج الزراعي والصناعي دون حاجة إلى عمل المرأة في المصنع .

والأمر الثاني: أن النظام الاقتصادي الشيوعي قائم على الدكتاتورية الكاملة . فالدولة هي التي تعين الأعمال ، وتوزع عليها العمال حسبما ترى هي بصرف النظر عن رغبة العامل في نوع العمل أو المكان الذي يشتغل فيه ، وهي التي ترسم السياسة العامة وتجبر الناس على تنفيذها ، ولا يتم هذا إلا بأن تصبح الدولة هي المشرف الوحيد على جميع الأعمال والأفكار والأقوال والاجتماعات والتوجيهات ، لأن الحرية لو تركت في جانب ، فستصل حتمًا إلى حرية نقد النظام أو نقد الحاكم وهو ما لا تسمح به الدولة بحال . ويجب أن نفرق هنا بين دكتاتورية الحاكم ودكتاتورية الدولة . فقد يكون الحاكم ذاته رجلًا متواضعًا لا يستبد بالرأي ، ولكن هذا لا علاقة له بدكتاتورية الدولة في تسيير النظام الاقتصادي والإشراف عليه بالقوة . وهو ما تعترف به الشيوعية صراحة في تسميتها نظام الحكم"بدكتاتورية البروليتاريا".

يضاف إلى هذا كله أن الشيوعية نظام لا يزال يتخبط . فقد بدأ بإلغاء الملكيات جميعًا وتسوية الأجور بين العمال جميعًا . ثم وجد تحت ضغط الواقع أنه يحسن السماح بقدر معين من الملكية الفردية ، وقدر من التفاوت في الأجور حسب همة العمال . فارتد بذلك عن مبدأين أساسيين من مبادئ ماركس ، واقترب خطوتين من التصور الإسلامي ! فكيف يجوز لنا أن نترك الأصل الذي ترجع إليه البشرية كلما جربت تجربة جديدة ، لنلحق بقطار متخبط، مهما تكن السرعة الخاطفة التي ينهب بها الطريق ؟

لا يصنع هذا شخص في رأسه عقل ولا في نفسه ثقة بكيانه . إنها الهزيمة الداخلية تتخذ صورًا شتى ومبررات شتى . ولكنها هزيمة لا يقدم عليها إلا الضعفاء والخائرون

(محمد قطب)

آمنّا بأن الإسلام خير نظام على الأرض . وبأن موقعنا التاريخي والجغرافي والدولي يجعل الإسلام هو طريقنا الوحيد إلى العزة والكرامة والعدالة الاجتماعية . ولكن كيف السبيل إلى تحقيق الإسلام اليوم في عالم معاد للدعوة الإسلامية ، وفي حكم طغاة من الحكام يحاربون الإسلام في الداخل كما يحاربه أعداؤه في الخارج أوهم أشد قسوة ؟ !

"كيف السبيل"؟ ؟

إنه لن توجد إلا سبيل واحدة لكل دعوة على الأرض… الإيمان !

لن يصلح آخر هذا الدين إلا بما صلح به أوله …

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت